الجمعة، 23 أكتوبر 2026

أهمية دراسة السيرة النبوية

 

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه وأجمعين

     أهمية دراسة السيرة النبوية :

جاء الإسلام رحمة للعالمين ،ليخرجهم من عبادة الأوثان ،وعبودية العقل للجسد ،وغرائزه لرقي الجسد إلى الروح وسمائها فتحقق في الإسلام السمو الذي كانت تفتقده البشرية في عصور الضلال والانحراف والتيه الذي مرت به ،ولم يعرف التاريخ رسالة أشمل وأعظم من رسالة الإسلام ،وهي الرسالة الأبدية التي أنزلها الله على كل أنبيائه ورسله ،فكانوا يدعون الناس دوما إلى خلع ما يعتقدونه من هيمنة الحجر على البشر ،ومن ألوهية الصنم والتمر والخشب إلى فلك التوحيد والإيمان بالخالق الذي لا حدود لقدرته ،ولا تناهي لعظمته جل جلاله .

كما لم يعرف التاريخ رسالة أعظم من الإسلام

فإن التاريخ لم يعرف فاتحا ولا قائدا أعظم من رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام ،فهو النبي الذي ختم الله به الأنبياء ،وهو الذي أخرجنا الله به من ظلمات الدنيا إلى نور الدنيا والآخرة .

ولكونه النبي العظيم والرسول القائد صلى الله عليه وسلم حق علينا أن ندرس سيرته ،وأن نعرف عن حياته ،وعن شخصيته ،وعن أبرز ملامح الفترة الزمنية التي عاشها ،ولا يكون هذا إلا بدراسة السيرة النبوية ،ومعرفة الحياة العامة والخاصة للنبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام .

    تعريف السيرة النبوية :

هي التاريخ والتأصيل الزمني لجملة الأحداث والوقائع التي كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وهي الدراسة الخاصة بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام من حيث أخلاقه ،وشمائله المحمدية ،ونسبه الشريف ،ودلائل النبوة التي حباه الله بها ،وكل ما يتعلق بها من أحداث وغزوات ،فهذا من صميم السيرة النبوية .        

فوائد من السيرة النبوية

من فوائد دراسة السيرة النبوية :

1-   لأنه صلى الله عليه وسلم أسوة للعالمين قال الله تعالى (( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا )) وذلك يحتاج إلى معرفة سيرته وهديه

2-   أن سيرته تعد ميزانا لوزن الأعمال ،قال سفيان بن عيينة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الميزان الأكبر

3-   أن فيها عونا على فهم كتاب الله تعالى لأن حياته تطبيق للقرآن

4-   فيها تعبير عن محبته صلى الله عليه وآله وسلم وتقويتها ،وذلك يحتاج إلى معرفته معرفة خاصة تفصيلة وذلك يزيد من محبته صلى الله عليه وسلم

5-   أنها باب لزيادة الإيمان قال تعالى (( أم لم يعرفوا رسولهم ))

6-   أن فيها عونا على فهم الدين كله فهما سليما

7-   أن فيها تعليما للمنهج الصحيح في الدعوة قال تعالى (( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين )) وحديث معاذ لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال له (( إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ... ))       

8-   أن سيرته صلى الله عليه وسلم نفسها آية من آيات نبوته ،وفيها أكبر عون على تصديقه .

9-   أنها باب عظيم من أبواب السعادة ،فمعرفة سيرته زاد للمعاد .

من أسباب المحبة :

ومدائح رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة :

-         منها شرف أصله وطهارة مولده

-         ومنها أسماؤه التي اختارها الله له وسماه بها

-         ومنها إشادة الله تعالى بذكره قبل أن يخلقه حتى عرفه الأنبياء صلوات الله عليهم وأممهم قبل أن يعرف نفسه وتعرفه أمته

-         ومنها حسن خلقه وخلقه وكرم إتحافه وأسمائه

-         ومنها بيانه وفصاحته وقوله (( أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الحديث اختصارا ))

-         ومنها حدبه على أمته ورأفته بهم وما ساق الله تعالى به إليهم من الخيرات العظيمة في الدنيا وعرضهم له من شفاعته لهم في الآخرة

-         ومنها زهده في الدنيا وصبره على شدائدها ومصائبها

-         وأما المرتبة العظمى وهي النبوة والرسالة فله فيها من المآثر الرفيعة : عموم رسالته الثقلين وشمولها بين الخافقين ،وأنه خاتم النبيين وسيد المرسلين ،وأكرمهم في الدنيا أعلاما ،وأحمدهم في الآخرة مقاما ،وذلك أنه أول من تنشق عنه الأرض ،وأول شافع ومشفع ،وهو صاحب اللواء المحمود والحوض المرود ،وأقسم الله بحياته ،ولم يخاطبه باسمه في القرآن بل دعاه باسم النبوة والرسالة واصطفاه بذلك عل الجماعة

-         وقال صلى الله عليه وسلم (( إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين )) وإنما أراد والله أعلم انه كذلك في قضاء الله وتقديره قبل أن يكون آدم عليه السلام

-         وهو بشارة عيسى (( ومبشرا برسول يأتي من بعد اسمه أحمد )) أي أنه بشر به قومه فعرفه بنو إسرائيل قبل أن يخلق

-         وقال صلى الله عليه وسلم  (( إنما أنا رحمة مهداة ))

-         وكان خلقه القرآن كما وصفته السيدة عائشة رضي الله عنها  يرضى لرضاه ويسخط لسخطه .   

وقالت خديجة رضي الله عنها  للنبي صلى الله عليه وسلم : كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق

لقد استنبطت خديجة رضي الله عنها من اتصاف محمد صلى الله عليه وسلم بتلك الصفات الجميلة على أنه لن يتعرض في حياته للخزي قط لأن الله تعالى فطره على مكارم الأخلاق ،وضربت المثل بما ذكرته من أصولها الجامعة لكمالاتها .

ولم تعرف الحياة في سنن الكون الاجتماعية أن الله تعالى جمل أحدا من عباده بفطرة الأخلاق الكريمة ثم أذاقه الخزي في حياته

ومحمد صلى الله عليه وسلم بلغ من المكارم ذروتها فطرة فطره الله عليها لا تطاول ولا تسامى .

قال الله تعالى (( وإنك لعلى خلق عظيم ))

وقال صلى الله عليه وسلم (( إن الله عز وجل اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم )) رواه مسلم

وقال صلى الله عليه وسلم (( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأنا أول شافع وأول مشفع )) رواه مسلم

وقال صلى الله عليه وآله وسلم  (( مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون ويعجبون له يقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال : فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ))

رواه مسلم

وقال صلى الله عليه وآله وسلم (( إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن ))

  رواه مسلم

 النسب الشريف

وطيب المعدن والنسب الرفيع يرفع صاحبه عن سفاسف الأمور ويجعله يهتم بمعاليها وفضائلها ،والرسل والدعاة يحرصون على تزكية أنسابهم وطهر أصلابهم ،ويعرفون عند الناس بذلك فيحمدونهم ويثقون بهم .

قيل للنبي صلى الله عليه وسلم ما كان أول بدء أمرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منه قصور الشام ))

رواه أحمد والحاكم ،وإسناد أحمد حسن وله شواهد تقويه .

قال ابن رجب رحمه الله :

وخروج هذا النور عند وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض ،وزالت به ظلمة الشرك منها كما قال تعالى (( يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ))

وقال ابن كثير رحمه الله تعالى :

وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام ،ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلا للإسلام وأهله ،وبها ينزل عيسى بن مريم بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها .

ولهذا جاء في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ))

وفي صحيح البخاري (( وهم بالشام ))      

وفي جوده وكرمه كان صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ،وكان أجود بالخير من الريح المرسلة .

أما الثبات على المبدأ فكان صفة بارزة من صفاته صلى الله عليه وسلم ،وخلقا أصيلا من أخلاقه ،ويكفي في هذا المجال أن نذكر موقفه العظيم مع عمه أبي طالب حين ظن أنه مسلمه لقريش ،ومتخل عن نصرته .

ولنستمع إلى كلمات الحق والإيمان والثبات على المبدأ تنطلق من رسول الله صلى الله عليه وسلم (( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه .))

لهذه الأخلاق الفاضلة والسيرة العطرة انجذبت له القلوب ،وتأست به النفوس ،ووجد المسلمون في شخصه الكريم القدوة الكاملة ،والمثل الأعلى في كل ما يرتبط بحياتهم الدينية والدنيوية          

قال حسان رضي الله عنه :

وأجمل منك لم تر قط عيني    - وأفضل منك لم تلد النساء

خلقت مبرأ من كل عيب       - كأنك قد خلقت كما تشاء  

وقال شوقي رحمه الله :

ولد الهدى فالكائنات ضياء  - وفم الزمان تبسم وثناء

الروح والملأ الملائك حوله  - للدين والدنيا به بشراء

والعرش يزهو والحظيرة تزدهي – والمنتهى والسدرة العصماء

قال حافظ إبراهيم

فإذا رزقت خليقة محمودة    - فقد اصطفاك مقسم الأرزاق

فالناس هذا حظه مال          - وذا علم وذاك مكارم الأخلاق

والعلم إن لم تكتنفه شمائل   - تعليه كان مطية الإخفاق  

ميزة السيرة النبوية

تجمع السيرة النبوية عدة مزايا تجعل دراستها متعة روحية وعقلية وتاريخية ،

وهذه الدراسة ضرورية للعلماء والدعاة لأنها تعطيهم مفاتيح قلوب الناس وعقولهم وتجعلهم أقرب نجاحا وأكثر سدادا .

ومن مزاياها ما يلي :

أولا : أنها أصح سيرة لتاريخ نبي مرسل ،وقد وصلت لنا بأصح الطرق العلمية وأقواها ثبوتا : القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة .

ثانيا : أن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم واضحة كل الوضوح قي جميع مراحلها حتى قال بعض النقاد الغربيين : إن محمدا (صلى الله عليه وسلم ) هو الوحيد الذي ولد على ضوء الشمس .

ثالثا : أن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحكي سيرة إنسان أكرمه الله بالرسالة فلم تخرجه عن إنسانيته ولم تضف عليه الألوهية كما عند النصارى

قال تعالى (( ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمين ))

فرسولنا صلى الله عليه وسلم ظل وسيظل قدوة نموذجية لكل من أراد أن يعيش سعيدا كريما في نفسه وأسرته وبئته ومن هنا يقول تعالى (( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ))

رابعا : أن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاملة لكل النواحي الإنسانية في الإنسان : 
فهي تحكي سيرة الشاب المستقيم قبل أن يكرمه الله بالرسالة ،كما تحكي سيرة الداعية إلى الله تعالى المتلمس أجدى الوسائل لقبول دعوته ،والباذل منتهى طاقته وجهده في إبلاغ رسالته ،وتحكي سيرة الزوج والأب في حنو العاطفة ،وحسن المعاملة ،كما تحكي لنا سيرة المربي المرشد الذي يشرف على تربية أصحابه تربية مثالية ينقل فيها من روحه إلى أرواحهم ...

كما تحكي لنا سيرة الصديق الذي يقوم بواجبات الصحبة مما يجعل أصحابه يحبونه أكثر من حبهم لأنفسهم ،وتحكي لنا سيرة الشجاع والقائد المنتصر والسياسي الناجح والجار الأمين والمعاهد الصادق وغير ذلك مما لا يحصى ولا يعد من الخصال الكريمة والشيم الحميدة .

والإنسان الوحيد في التاريخ البشري الذي يصلح أن يكون قدوة لجميع الفئات ،وجميع ذوي المواهب ،وجميع الناس هو محمد صلى الله عليه وسلم

أما غيره فيمكن أن يكون قدوة في ناحية من نواحي الحياة .

خامسا : أن سيرته وحدها تعطينا الدليل اليقيني على صدق رسالته ونبوته

فقد سار بدعوته من نصر إلى نصر بمعية الله وتوفيقه وتسديده ،فقد أوذي وحورب وعودي وشوه وحوصر فما مل ولا كل ولا قنط وهكذا كان حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافون .

انظر السير النبوية : روس وعبر لمصطفى السباعي رحمه الله ص 13- 22

        أهمية دراسة السيرة النبوية العطرة :

فالسيرة نتعلم منها :

الآداب الرفيعة

والأخلاق الحميدة

والعقائد السليمة

والعبادة الصحيحة

وسمو الأخلاق

وطهارة القلب .

ولهذا قال علي بن الحسين رحمه الله تعالى :

كنا نعلم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن

وقال الزهري رحمه الله تعالى :

في علم المغازي علم الآخرة والدنيا

وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص رحمه الله :

كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدها علينا ويقول :

هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها .

إن دراسة الهدي النبوي في تربية الأمة ،وإقامة الدولة يساعد العلماء والقادة والفقهاء على معرفة الطريق إلى عز الإسلام والمسلمين من خلال معرفة عوامل النهوض ،وأسباب السقوط ،ويتعرفون على فقه النبي صلى الله عليه وسلم في تربية الأفراد ،وبناء الجماعة المسلمة ،وإحياء المجتمع ،وإقامة الدولة .

فيرى المسلم حركة النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة ،والمراحل التي مر بها ،وقدرته على مواجهة أساليب المشركين في محاربة الدعوة ،وتخطيطه الدقيق في الهجرة إلى الحبشة ،ومحاولته إقناع أهل الطائف بالدعوة ،وعرضه الإسلام على القبائل في المواسم ،وتدرجه في دعوة الأنصار ،ثم هجرته المباركة إلى المدينة .

إن من تأمل حادثة الهجرة ،ورأى دقة التخطيط ،ودقة التنفيذ من ابتدائها إلى انتهائها ،ومن مقدماتها إلى ما جرى بعدها ،يدرك أن التخطيط المسدد بالوحي في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قائم ،وأن التخطيط جزء من السنة ،وهو جزء من التكليف الإلهي في كل ما طولب به المسلم .

إن المسلم يتعلم من المنهاج النبوي كل فنون إدارة الصراع ،والبراعة في إدارة كل مرحلة ،وفي الانتقال من مستوى إلى آخر ،وكيف واجه صلى الله عليه وسلم القوى المضادة من اليهود والنصارى والمنافقين والكفار ،وكيف تغلب عليها كلها بسبب توفيق الله تعالى ،والالتزام بشروط النصر وأسبابه التي أرشد إليها المولى عز وجل في كتابه الكريم .

إن التمكين لهذه الأمة وإعادة مجدها وعزتها وتحكيم شرع ربها منوط بمتابعة الهدي النبوي المبارك ،قال تعالى (( قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين ))

فقد بينت الآية الكريمة أن طريق التمكين في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم ،

فقد جاءت الآيات التي بعدها تتحدث عن التمكين ،وتوضح شروطه .

قال تعالى (( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ...ترحمون ))

وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بتحقيق شروط التمكين فحققوا الإيمان بكل معانيه ،وكافة أركانه ،ومارسوا العمل الصالح بكل أنواعه ،وحرصوا على كل أنواع الخير ،وصنوف البر ،وعبدوا الله عبودية شاملة في كافة شؤون حياتهم ،وأخذوا بأسباب التمكين المادية والمعنوية على مستوى الأفراد والجماعة حتى أقاموا دولتهم في المدينة ،ومن ثم نشروا دين الله بين الشعوب والأمم .    

  انظر الصلابي

ما الذي نتعلمه من السيرة النبوية العطرة :

1-   تعطينا دراسة السيرة معرفة النبي صلى الله عليه وسلم ،والتي نعرف بها حياته واسمه الشريف ونسبه القويم ،فلا يتخيل عاقل أن مسلما لا يعلم شيئا عن نبيه ،في أي عام ولد ،وما هي معجزاته ،وما هي أبرز ملامح حياته .

2-   تعلمنا الاقتداء والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نقتدي بما لا نعلم ؛ لأن الاقتداء يجب أن يكون على علم وعلى بصيرة ،ولولا سيرة السيرة النبوية لما عرفنا كيف كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم ،وكيفية لباسه ،وكيفية تعامله مع الناس ،وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا أسوة حسنة .

3-   نتعلم كيف كانت الحرب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وكيف كانت الرحمة بالأعداء قبل الأصحاب ،وندرك فنون القيادة ،وكيف كانت تدار الدولة ،وكيفية القضاء والعدل بين الناس من خلال المواقف التي نمر بها أثناء تصفحنا لنفحات السيرة العطرة .

4-   دراسة السيرة النبوية تعلمنا أحكام الدين ،فبها نعلم الأحكام الفقهية من خلال المواقف التي حدثت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وهل أنكرها أم أقرها ،وهذا بحد ذاته تشريع نبوي متى تحققت لدينا صحة النقل .

 

  

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى :

وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من نصح نفسه ،وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته ،وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به ،ومستكثر ،ومحروم ،والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .

وهذه كلمات يسيرة لا يستغني عن معرفتها من له أدنى      إلى معرفة نبيه صلى الله عليه وسلم ،وسيرته وهديه .

وهو صلى الله عليه وسلم خير أهل الأرض نسبا على الإطلاق ،فلنسبه من الشرف أعلى ذروة ،وأعداؤه كانوا يشهدون له بذلك ،ولهذا شهد له به عدوه إذ ذاك أبو سفيان بين يدي ملك الروم ،فأشرف القوم قومه ،وأشرف القبائل قبيلته ،وأشرف الأفخاذ فخذه .

وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة ،والتابعين ومن بعدهم ...

 اسم محمد وأحمد  : اشتقاقهما وشرفهما :

فهذين الاسمين :محمد وأحمد إنما اشتقا من أخلاقه ،وخصائصه المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى محمدا صلى الله عليه وسلم ،وأحمد وهو الذي يحمده أهل السماء وأهل الأرض ،وأهل الدنيا ،وأهل الآخرة لكثرة خصاله المحمودة  التي تفوق عد العادين وإحصاء المحصين

وأما نبي الرحمة فهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين فرحم به أهل الأرض كلهم مؤمنهم وكافرهم ، أما المؤمنون فنالوا النصيب الأوفر  من الرحمة .

وأما الكفار فأهل الكتاب منهم عاشوا في ظله وتحت حبله وعهده ،

وأما من قتله منهم هو وأمته فإنهم عجلوا به إلى النار وأراحوه من الحياة الطويلة التي لا يزداد بها إلا شدة العذاب في الآخرة .    

ومن تفضيل الله لأمته واختياره لها أنه وهبها من العلم والحلم  ما لم يهبه لأمة سواها .

وفي مسند البزار وغيره من حديث أبي الدرداء قال سمعت  أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول :

(( إن الله تعالى قال لعيسى ابن مريم : أنا باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا ،وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا ولا حلم ولا علم .

قال يا رب كيف هذا ولا حلم ولا علم  قال أعطيهم من حلمي وعلمي ))  

عشقت الغار كيما ألامسه   - ببناني وجناني لأنال العبر

وألامس تلك الصخور     - التي لا مسها سيد البشر

هناك السكينة كانت تترى  - وتنصب مد البصر

هناك استراح الصديق     - وراح كل خوف وكل ضجر .

وأحد لما رآك قد مرح    - وصار يختال بحب وفرح

فوجبت في حقه محبتي   - لحبه سيدنا وبهجتي

        

 الأخلاق التي هيأت العرب للاصطفاء وحمل رسالة الإسلام

1-   الكرم

2-   الوفاء بالعهد

3-   عزة النفس وعدم قبول الضيم

4-   المضي في العزائم والمخاطرة في شأنها

5-   الحلم والأناة والتؤدة

6-   السذاجة البدوية ،وعدم التلوث بلوثات الحضارة ومكائدها .

هذه الأخلاق الثمينة مع ما للجزيرة العربية من موقع استراتيجي هيأ الله به العرب أن يختارهم بين الأمم لحمل رسالته للعالمين

وبجعل خاتم الأنبياء منهم صلى الله عليه وآله وسلم وشرف وكرم . 

  

 

 

من دروس رضاعه صلى الله عليه وسلم في بادية بني سعد

1-   بركة النبي صلى الله عليه وسلم على حليمة في كل شيء

2-   هذه البركات من أبرز إكرام الله له صلى الله عليه وسلم ،وأكرم بسببه بيت حليمة

3-   اختيار الله لحليمة بأن ترضع النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانت معرضة عنه قال تعالى (( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون )) وفي هذا أبلغ درس لكل مسلم بأن يطمئن قلبه إلى قدر الله تعالى واختياره والرضى به

وذرة من عمل القلب العلي    - مثل الرضى والزهد والتوكل

أفضل عند الله من أجبال      - شمخن من ظواهر الأعمال   

4-    أثر البادية في صحة لأبدان وصفاء النفوس وذكاء العقول وتعلم العربية ، وتعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بادية بني سعد اللسان العربي الفصيح ،وأصبح من أفصح الخلق .

وعندما قال له أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله : ما رأيت أفصح منك فقال صلى الله عليه وسلم  (( وما يمنعني وأنا من قريش وأرضعت في بني سعد ))

 نسبه صلى الله عليه وآله وسلم :

بيان نسبة النبي المصطفى   - صلى عليه ربنا وشرفا

ونسب المختار محفوظ إلى   -عدنان بالإجماع عند الفضلا

وها أنا أشير لاسم كل        - منهم بحرف منه مستقل

مع شه عق كم كلغفمن       - كخم  أمن مع ، إلى هنا زكن .

 شق صدره صلى الله عليه وسلم في بادية بني سعد

ولا شك أن التطهير من حظ الشيطان هو إرهاص مبكر للنبوة ،وإعداد للعصمة من الشر وعبادة غير الله تعالى فلا يحل في قلبه الطاهر إلا التوحيد الخالص

وقد دلت أحداث صباه على تحقق ذلك فلم يرتكب إثما ،ولم يسجد لصنم

ثم إن إخراج العلقة منه تطهير للرسول صلى الله عليه وسلم من حالات الصبا اللاهية العابثة المستهترة ،واتصافه بصفات الجد والحزم والاتزان وغيرها من صفات الرجولة الصادقة ،كما تدلنا على عناية الله به وحفظه له ،وأنه ليس للشيطان عليه سبيل .

         بعض الحكم من جعله صلى الله عليه وسلم يتيما

أرادت حكمة الله تعالى أن ينشأ رسوله صلى الله عليه وسلم يتيما تتولاه عناية الله وحدها بعيدا عن الذراع التي تمعن في تدليله ،والمال الذي يزيد في تنعيمه حتى لا تميل به نفسه إلى مجد المال والجاه ،وحتى لا يتأثر بما حوله من معنى الصدارة والزعامة فيلتبس على الناس قداسة النبوة بجاه الدنيا ،

وحتى لا يحسبوه يصنع الأول ابتغاء الوصول إلى الثاني ،

وكانت المصائب التي أصابت النبي صلى الله عليه وسلم منذو طفولته كموت أمه ثم جده بعد أن حرم عطف الأب وذاق كأس الحزن مرة بعد مرة ، كانت تلك المحن قد جعلته رقيق القلب مرهف الشعور ،فالأحزان تصهر النفوس وتخلصها من أدران القسوة والكبر والغرور ،وتجعلها أكثر رقة وتواضعا .         

   لماذا رعى النبي صلى الله عليه وسلم الغنم ؟

كان أبو طالب مقلا في الرزق فعمل النبي صلى الله عليه وسلم برعي الغنم مساعدة

منه لعمه ،فلقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن نفسه الكريمة وعن إخوانه من الأنبياء وأنهم كلهم رعوا الغنم .

أما هو فقد رعاها لأهل مكة وهو غلام وأخذ حقه عن رعيه ففي الحديث الصحيح :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((  ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم )) فقال أصحابه وأنت  قال : (( نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة ))

إن رعي الغنم كان يتيح للنبي صلى الله عليه وسلم الهدوء الذي تتطلبه نفسه الكريمة ويتيح له المتعة بجمال الصحراء ،ويتيح له التطلع إلى مظاهر جلال الله في عظمة الخلق ،ويتيح له مناجاة الوجود في هدأة اليل ،يتيح له نوعا من التربية النفسية من الصبر والحلم والأناة والرأفة والرحمة ،والعناية بالضعيف حتى يقوى ،وارتياد أماكن الخصب والري وتجنب الهلكة ومواقع الخوف ،وسياسة هذا الحيوان الأليف الضعيف .

وتذكرنا رعايته للغنم بأحاديثه صلى الله عليه التي توجه المسلمين للإحسان للحيوانات ،فكان رعي الغنم للنبي صلى الله عليه وسلم دربة ومرانا له على سياسة الأمم .

ورعي الغنم يتيح لصاحبه عدة خصال تربوية منها :

1-   الصبر على الرعي من طلوع الشمس إلى غروبها ،وكذا تربية البشر تحتاج للصبر عليهم ،إن الراعي لا يعيش في ترف وسرف وإنما يعيش في جو حار ولا سيما في جزيرة العرب ،وهو لا يجد إلا الخشونة في الطعام فينبغي أن يحمل نفسه على تحمل هذه الظروف القاسية ويألفها ويصبر عليها .

2-   التواضع إذ طبيعة عمل الراعي خدمة الغنم والإشراف على ولادتها ،والقيام  بحراستها ،وربما أصابه من أبوالها فبذلك يبعد عن نفسه الكبر والكبرياء ويرتكز في نفسه خلق التواضع ،ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه قال (( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر )) فقال رجل : الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا فقال (( إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ))

3-   الشجاعة : فطبيعة عمل الراعي الاصطدام بالوحوش المفترسة ،فلا بد أن يكون على جانب كبير من الشجاعة تؤهله للقضاء على الوحوش ومنعها من افتراس أغنامه .

4-   الرحمة والعطف : إن الراعي يقوم بمقتضى عمله في مساعدة الغنم إن هي مرضت أو كسرت فيدعوه ذلك إلى العطف عليها وعلاجها والتخفيف من آلامها فمن يرحم الحيوان يكون أشد رحمة بالإنسان ،وبخاصة إذا كان رسولا أرسله الله تبارك وتعالى لتعليمه وإرشاده وإنقاذه من النار وإسعاده في الدارين .

5-   حب الكسب من عرق الجبين ،إن الله تعالى قادر على أن يغني محمدا صلى الله عليه وسلم عن رعي الغنم ،ولكن هذه تربية له ولأمته للأكل من كسب اليد وعرق الجبين ،ورعي الغنم نوع من أنواع الكسب باليد .

روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده ))

ولا شك أن الاعتماد على الكسب الحلال يكسب الإنسان الحرية التامة والقدرة على قول كلمة الحق والصدع بها ،ويدل أيضا على شهامة في طبع النبي صلى الله عليه وسلم فهو يتعب نفسه ليساعد عمه في مؤونة الإنفاق ،ويدل أيضا على ما ارتضاه الله تعالى لعباده الصالحين من الكدح ، والبعد عن الرفاهية ، والراحة ، والدعة .

(( اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم ))

وقال عمر رضي الله عنه : اخشوشنوا وتمعددوا وانزوا على الخيل نزوا وإياي والتنعم وزي العجم .

 حفظ الله لنبيه صلى الله عليه وسلم قبل البعثة

روى أحمد عن النبي صلى الله عليه سلم أنه قال (( أي خديجة والله لا أعبد اللات والعزى ))

وكان لا يأكل ما ذبح على النصب ووافقه على ذلك زيد بن عمرو بن نفيل .

   حلف الفضول

 

 

 

 

التخلي :

قال ابن أبي جمرة في كتابه بهجة النفوس :

والتخلي على ضربين :

1-   مكتسب 2- وفيض من الله تعالى

فالمكتسب مثل ما تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم من الخلوة في الغار والتحنث فيه .

والفيض : هو ما نحن بسبيله من الغط والضم

فقد يكون من السالكين من تخليه بالكسب لا غير ،وقد يكون تخليه بالفيض لا غير مثل إبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وغيرهما

وقد يجمع لبعضهم بين الحالتين فيكتسب ويفاض عليه كما فعل للنبي صلى الله علليه وسلم

وكثير ما هم وهو فضل الله يؤتيه من يشاء .

والفكرة أفضل الأعمال لأن في ضمن قوله تعالى (( خلق الإنسان من علق ))

ما يستدعي الفكرة فيما قيل حتى يحصل للمخاطب بذلك علم قطعي وإيمان صادق ،وليس الإيمان به والتصديق بعد الفكرة كالإيمان به بديهة ،ولهذا المعنى أشار عليه السلام بقوله (( تفكر ساعة خير من عبادة سنة ))

وفي رواية (( خير من عبادة الدهر )) لأن المرء أذا تفكر قوي إيمانه وبان له الحق واتضح ،وبقدر تعمقه في الفكرة يقوى الإيمان .

ولهذا المعنى قال بعض الفضلاء :

أنا أوصيك أن تديم النظر في مرآة الفكرة مع الخلوة فهناك يبين لك الحق .

(( وربك الأكرم ))

وهذا الاسم يتضمن معاني الأسماء كلها الموجبة للطف والإحسان

نسأل الله بمنه أن يعاملنا بمقتضى متضمنه .

(( إنك لتصل الرحم )) فيه دليل على أن من طبع على أفعال الخير لا يصيبه مكروه .

(( ثم حبب إليه الخلاء ))

فيه دليل على أن الهداية منة ربانية لا بسبب من بشر ولا غيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم جبل على هذا الخير ابتداء من غير أن يكون معه من يحرضه على ذلك ،والخلوة كناية عن انفراد الإنسان بنفسه ،فحبب إليه عليه السلام اصل العبادة في شريعته وعمدتها لأنه عليه السلام قال (( الخلوة عبادة ))

فالخلوة نفسها عبادة ،فإن زيد عليها شيء من الطاعات فهو التحنث ،ومعنى التحنث التعبد فهو نور على نور .

والقاعدة في ألفاظ الكتاب والحديث أنه متى أمكن حملها على كثرة الفوائد كان أولى من الاقتصار على بعضها .

(( وثيابك فطهر ))

لا تمنن بكثرة العمل فتكسل عن العبادة

ومنه قولهم : الوقت سيف

يريدون به أقطع الوقت بالعمل لئلا يقطعك بالتسويف ،ولأن الالتفات بالحظوظ وكثرة العمل وغير ذلك هلاك ،والسالك إذا التفت إلى الهلاك كان هالكا .

   (( ولربك فاصبر ))

معناه اصبر على عبادة ربك ومنه قوله عز وجل (( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ))

لأن الشأن في العبادة الدوام والصبر عليها ولهذا المعنى كان عليه السلام إذا عمل عملا أثبته وواظب عليه .

فاحذر من رياح طبعك أن تثير سحائب شهوتك فتغطي على شمس حالك فتوجب زلة قدمك فتدخل في ضمن قوله عليه السلام (( لا يختلس الخلسة حين يختلسها وهو مؤمن )) أي كامل الإيمان لأن تغطية نور الإيمان نقص فيه أعاذنا الله من نقصه وأدام لنا كماله .

الإيمان إيمانان : فالإيمان الذي لا يدخل صاحبه النار هو ما كان بالحلاوة ،

والإيمان الذي لا يخلد صاحبه النار هو ما كان بغير حلاوة .

وحلاوة الإيمان على ظاهرها

فبلال رضي الله عنه حين صنع به ما صنع في الرمضاء إكراها على الكفر كان يقول أحد أحد فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان ،وكذلك أيضا عند موته :

أهله يقولون : واكرباه ،وهو يقول : واطرباه

غدا ألقى الأحبه    - محمدا وحزبه

فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء وهي حلاوة الإيمان

(( وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ))

لأن حقيقة الإيمان : أن يتوكل صاحبه في كل أموره على ربه ويعتمد عليه

وإن كان بغير ذلك فإنما هو دعوى .

والكلمة الطيبة هي كلمة الإخلاص وهي رأس الدين وبها قوامه ،فكلمة الإخلاص في الإيمان كأصل الشجرة لا بد منه أولا ،وأغصان الشجرة في الإيمان عبارة عما تضمنته كلمة الإخلاص من اتباع الأمر واجتناب النهي ،والزهر في الشجرة هو في الإيمان عبارة عما يحدث للمؤمن في باطنه من أفعال البر .

لما روي عنه عليه السلام (( أن من هم بحسنة خرجت على فيه رائحة عطرة فيشمها الملك فيكتب له حسنة ))

والزهر في الشجرة كذلك له رائحة عطرة ،وما ينبت في الشجرة من الثمر هو في الإيمان عبارة عن أفعال الطاعات ، وحلاوة الإيمان في الشجرة هي في الإيمان عبارة عن كماله ،وعلامة كماله ما ذكر عليه السلام في الحديث

لأن غاية فائدة الثمر تناهي حلاوة ثمرها وكماله

 

 

فليس بفظ الخلق ولا غليظ القلب

(( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ..))

لأن غليظ القلب فظ التعامل ينفر الناس منه ولا يقبلون عليه ،والقلب إذا كان غليظا تبعته الجوارح في الغلظة والقسوة .

والصخب : هو اللجج ورفع الصوت

ولا فحاش : من الفحش وهو السيئ من القول والفعل

ولا عياب : أي لا يعيب الأشياء الطيبة ولا الأمور الحسنة ،لكن المنكر يعيبه ويذمه .

ولا مشاح : المشاح : هو الذي يبخل بنفسه ويرغب فيما عند غيره ،فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مشاحا لا بماله ولا بعلمه ولا بنصحه ،بل كان سخيا كريما منفقا جوادا .

سهل الخلق : أي أخلاقه سهلة  ،فيه صلى الله عليه وسلم اللين والسماحة والرفق والأناة وطيب المعاملة .

لين الجانب : فيه الدلالة على تواضعه صلى الله عليه وسلم وخفض جناحه للمؤمنين .

يتغافل عما لا يشتهي : أي أنه فطن للأمور يعرف ما يدور حوله لكنه يتغافل مراعاة للمصلحة .

قال الشافعي رحمه الله : اللبيب العاقل هو الفطن المتغافل .

ولا يؤيس راجيه ولا يخيب فيه : إذا جاءه إنسان يطلب منه صلى الله عليه وسلم عطاء لا يقابله بكلام يجعله ييأس ،فإن كان عنده ما يريد أعطاه إياه ،وإن لم يكن عنده قال له قولا ميسورا عملا بقوله تعالى (( وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ))

قال جابر بن عبد الله : ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال لا )) رواه البخاري ومسلم

فهو صلى الله عليه وسلم أكمل الناس في كل خلق جميل ،وفي كل عبادة

فكان صلى الله عليه وسلم أعبد الناس لله ،وأحسنهم خلقا ،وأكملهم أدبا ،وأعظمهم خشية وتقوى لله تبارك وتعالى .

وعن عمر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم )) رواه البخاري

وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد )) رواه الترمذي

وذلك لسخاء نفسه وثقته بربه .

فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف في وجهه البشر لقول الأنصاري

ثم قال (( بهذا أمرت )) رواه الترمذي في الشمائل .

    قال ابن الخطيب الأندلسي :

مدحتك أيات الكتاب فما عسى     - يثني على علياك نظم مديح

وإذا كتاب الله أثنى مفصحا       - كان القصور قصار كل فصيح .

  وقال ابن الفارض بعد موته :

أرى كل مدح في النبي مقصرا    - وإن بالغ المثني عليه وأكثرا

إذا الله أثنى بالذي هو أهله           - عليه فما مقدار ما تمدح الورى .

   وللكاتب ذي الوزارتين :

يا مصطفى من قبل نشأة آدم     - والكون لم تفتح له أغلاق

أيروم مخلوق ثناءك بعد ما      - أثنى على أخلاقك الخلاق .

       قبسات نبوية :

آية المحبة : قال تعالى (( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ..))

وفي الصحيحين مرفوعا (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ))

وروى ابن خزيمة في صحيحه مرفوعا (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله ))

ونحن نعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بمحوب فحسب ، بل حبيب أيضا

يعني أن صفاته العالية وفضائله المتكاثرة ومحاسنه الجميلة ونعوته الرفيعة جعلته محب الله ومحبوب الخلق خالدة باقية ثابتة مستقرة .

فمن صفاته العظيمة :

1-   جوده وسخاؤه : بلغت غنائم حنين ستة آلف اسير ،وأربعا وعشرين ألفا من الإبل ،وأربعين ألفا من الغنم ،وأربعة آلف أوقية من الفضة ،

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ منها شيئا ،وعاد إلى بيته كما خرج منه بالخير والبركة .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء .

وما سئل شيئا قط فقال ((لا ))

فكان أجود الناس بالخير .

2-   عدله : اعترف أعداؤه بهذه الصفة فعن الربيع بن خثيم قال : كان يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية قبل الإسلام .

وفي بناء الكعبة قالت قريش : هذا الأمين قد رضيناه

وقال صلى الله عليه وسلم (( لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ))

   غزوة حنين :

كانت في عشر شوال سنة ثمان للهجرة

لقد أيد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم يوم حنين بأمور منها :

1-   نزول الملائكة من السماء  2- سلاح الرعب 3- تأثير قبضتي الحصى والتراب في أعين الأعداء

قال العباس رضي الله عنه : ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال (( انهزموا ورب محمد )) قال فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى ،قال فو الله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا .

   استخدام أسلحة جديدة في حصار أهل الطائف :

1-   نصب المنجنيق على أهل الطائف ،فحجارة المنجنيق تهدم الحصون والأبراج ،وقنابله تحرق الدور والمعسكرات ، ويحتاج إلى عدد من الجنود في إدارته واستخدامه عند القتال

2-   الدبابة : وهي على شكل بيت صغير تعمل من الخشب وتتخذ للوقاية من سهام الأعداء

3-   الحسك الشائك : تتعثر به أقدام الخيل والمشاة .

  استخدام الحرب النفسية والدعاية :

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق بساتين العنب والنخل في ضواحي الطائف للضغط على ثقيف ،ووجه نداء لعبيد أهل الطائف أن من ينزل منهم من الحصن ويخرج إلى المسلمين فهو حر فخرج ثلاثة وستون من العبيد منهم  أبو بكرة الثقفي فأسلموا فأعتقهم ولم يعدهم إلى ثقيف بعد إسلامهم .

   فقه الرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل مع النفوس :

1-   لا رجعة للوثنية ،قالوا اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الله أكبر قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى (( اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون )) لتركبن سنن من كان قبلكم ))

وهذا يعبر عن عدم وضوح تصورهم للتوحيد الخالص رغم إسلامهم ،ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أوضح لهم ما في طلبهم من معاني الشرك وحذرهم من ذلك ولم يعاقبهم أو يعنفهم لعلمه بحداثة عهدهم بالإسلام ،ويسمح بالخروج للجهاد وإن كان صاحبه مقصرا في بعض أمور الدين الأخرى لأن الجهاد مدرسة تربوية تعليمية يتعلم فيها المجاهدون كثيرا من العقائد والأحكام والأخلاق وذلك لما يتضمنه من السفر وكثرة اللقاآت التي يحصل فيها تجاذب الأحاديث وتلاقح الأفكار .

2-الإعجاب بالكثرة يحجب نصر الله

   تلخيص التلخيص لمعركة أحد :

فمعركة أحد كان ميدانها الأبرز :

ميدان النفس البشرية وتصوراتها ومشاعرها وأطماعها وشهواتها

وكان علاج القرآن لها علاجا لطيفا عميقا

وكان الانتصار الكبير فيها :

انتصار المعرفة الواضحة للحقائق

والاستعداد بالمعرفة ،والتجرد ،والتنظيم ،والتزام الطاعة ،والتوكل على الله وحده في كل خطوة من خطوات الطريق

ورد الأمر كله إلى الله وحده (( قل إن الأمر كله لله ))

في النصر والهزيمة وغيرها .

كانت الجماعة أحوج لهذا ألف مرة من النصر

لأنه رصيد لها ،وللأمة بعدها

وتدبير الله كله خير للجماعة المسلمة لحصولها على :

1-   العبرة

2-   والتربية

3-   والوعي

4-   والنضج

5-   والتمحيص

6-   والتميز

7-   والتنسيق

8-   والتنظيم

معركة التعبئة الكاملة للانتصار الكبير : الانتصار على النفس والشهوات والمطامع والأحقاد .

والانتصار في تقرير القيم والأوضاع السليمة لحياة الجماعة المسلمة

فالنفس لا تنتصر في المعركة الحربية إلا حين تنتصر في المعارك الشعورية والأخلاقية والنظامية

وكظم الغيظ والعفو عن الناس من عدة النصر

فالسيطرة على النفس قوة من قوى المعركة

والتضامن والتواد في المجتمع المتسامح قوة ذات فاعلية كذلك

كذلك تقرير حقيقة القدر من بداية السياق إلى نهايته

وتقرير سنة الله في ترتيب العواقب التي تحل بالبشر على ما يصدر من سعيهم وطاعتهم ومعصيتهم ( الرماة )

وتقرير أن النصر إنما يعطيه الله للأهداف العليا التي يشاؤها الله تعالى

لا من أجل الأفراد والجماعات .       

  مشروعية وقاية العرض من قول الشعراء :

قال القرطبي : في الشاعر الذي يهجو الناس فيؤذي الناس في أموالهم وأعراضهم

ولا خلاف في أن من كان على مثل هذه الحالة فكلما يكتسبه بالشعر حرام ،وكل ما يقوله من ذلك حرام عليه ،ولا يحل الإصغاء إليه ،بل يجب الإنكار عليه .

فإن لم يمكن ذلك لمن خاف من لسانه قطعا تعين عليه أن يداريه بما استطاع ويدافعه بما أمكن ،ولا يحل له أن يعطي شيئا ابتداء لأن ذلك عون على المعصية ،فإن لم يجد من ذلك بدا أعطاه بنية وقاية العرض ،فما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة .

تفسير القرطبي 13/ 150   

قال الشيخ سليمان الماجد فتوى رقم ( 1358)

فإن من لا يستطيع تحصيل حاجاته الأساسية يعد فقيرا مستحقا للزكاة ،وأن الوسيلة إلى الشيء تأخذ حكم الغاية في الأحكام التكليفية ومنها الجواز

وحيث إن رسوم الإقامة وسيلة ضرورية لتحصيل سداد النفقات الضرورية من خلال وظيفة نظامية فيجوز دفع الزكاة لتحقيق هذه الرسوم للفقير

ولهذا أفتى ابن تيمية بجواز شراء آلة مهنة الفقير من أموال الزكاة . والله أعلم

بتاريخ : 1439 هـ شهر شوال         

أهمية دراسة السيرة النبوية

  بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه وأجمعين      أهمية دراسة السيرة النبوية : جاء الإسلام رحمة للعالمين ،ل...