الجمعة، 23 أكتوبر 2026

اختصار ذوق الصلاة لابن القيم رحمه الله تعالى

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

ذوق الصلاة

ذوق الصلاة عند المحقق

قال المحقق وفقه الله تعالى :

هذا فصل نفيس في جزء لطيف تكلم فيه ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى عن صفة الصلاة في مواضع  من كتبه بطريقة مبتكرة لم يسبق إليها فيما أعلم

حيث تكلم عن لب الصلاة ومخها وهو الخشوع من التكبير إلى التسليم فأتى فيه بكل  عجيب مفيد .

ولما كانت هذه الفصول على نفاستها مغمورة بين تلك الصفحات كان من المفيد جدا إفرادها ليعم نفعها المسلمين كافة معنونا بكلمات تناسب فقراته .

قال ابن تيمية في الذوق :

فلفظ الذوق يستعمل في كل ما يحس به ويجد ألمه أو لذته .

وقال أيضا : فهذان الحديثان الصحيحان هما أصل فيما يذكر من الوجد والذوق الإيماني الشرعي دون الضلالي البدعي .

ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا ))

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهماوأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ))

وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى :

إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحا فاتهمه فإن الرب تعالى شكور .

قال ابن القيم معلقا عليه :

يعني أنه لا بد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه وقوة انشراح وقرة عين فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول .

 

      

الرسالة الأولى  : ذوق الصلاة

قال ابن القيم رحمه الله تعالى :   في حقيقة الصلاة

ولا ريب أن الصلاة قرة عيون المحبين ولذة أرواح الموحدين ومحك أحوال الصادقين ،وميزان أحوال السالكين وهي رحمته المهداة إلى عبيده رحمة بهم وإكراما لهم لينالوا بها شرف كرامته ،لا حاجة منه إليهم ،بل منة منه وفضلا ،وتعبد بها القلب والجوارح جميعا وجعل حظ القلب منها أكمل الحظين وهو إقباله على ربه سبحانه وتلذذه بقربه وتكميل حقوق عبوديته .

  الصلاة مأدبة وغيث :

ولما امتحن بالشهوات اقتضت تمام رحمته به أن هيأ له مأدبة قد جمعت جميع العطايا ،ودعاه إليه كل يوم خمس مرات لتكمل لذة عبده في كل لون من ألوان العبودية ويكون كل فعل من أفعال تلك العبودية مكفرا لمذموم كان يكرهه بإزائه ليثيبه عليه نورا خاصا يوم لقائه .

     الصدور من المأدبة :

فيصدر منها وقد شبع وروي وخلع عليه القبول والغنى بعد القحط والجوع والظمأ .

وأغناه عن الطعام وشبهه .

    تجديد الدعوة

ولما كانت الجدوب متتابعة جدد له الدعوة وقتا بعد وقت رحمة به لئلا ييبس كلأ الإيمان ولئلا تنقطع مادة النبات وكذا أبدا مدة حياته .

    الغفلة قحط

فإن الغفلة قحط ،وما دام في ذكر الله فغيث الرحمة واقع عليه فإذا غفل ناله من القحط بسب غفلته قلة وكثرة فإذا استحكمت صارت أرضه ميتة .

     عاقبة الغفلة :

وإذا تدارك عليه غيث الرحمة اهتزت أرضه وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ، فإذا ناله قحط الغفلة كان بمثابة شجرة انقطع عنها الماء فيبست وكانت وقودا للنار .

     يبوسة القلب :

فكذلك القلب إنما ييبس إذا خلا من توحيد الله وحبه ومعرفته وذكره ودعائه فتصيبه حرارة النفس ونار الشهوات فتمتنع أغصان جوارحه عن الانقياد إذا قدتها فلا تصلح بعد هي والشجرة إلا للنار (( فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ))

      مطر القلب :

فإذا كان القلب ممطورا بمطر الرحمة كانت الأغصان لينة منقادة فإذا مددتها إلى أمر الله انقادت معك سريعة فجنيت منها من ثمار العبودية ما يحمله كل غصن من تلك الأغصان ،وإذا يبس القلب تعطلت الأغصان من أعمال البر لأن مادة القلب وحياته قد انقطعت منه .

                استعمال الجوارح

ولله في كل جارحة من جوارح العبد عبودية تخصه وطاعة مطلوبة منه خلقت لأجلها وهيئت لها .

 والناس بعد ذلك ثلاثة أقسام :

أحدها : من استعمل تلك الجوارح فيما خلقت له ،فهذا هو الذي تاجر مع الله بأربح التجارة ،والصلاة وضعت لاستعمال الجوارح جميعها في العبودية تبعا لقيام القلب بها .

الثاني : من استعملها فيما لم تخلق له فهذا هو الذي خسرت تجارته وفاته رضى ربه .

الثالث : من عطل جوارحه وأماتها بالبطالة فهذا أيضا خاسر أعظم خسارة ،فإن العبد خلق للعبادة لا للبطالة ،وأبغض الخلق إلى الله البطال الذي هو لا في شغل الدنيا ولا في سعي الآخرة ،فهذا كل على الدنيا والدين .

        جوارح الطاعة :

فالأول كرجل أقطع أرضا واسعة وأعين عليها فحرثها وهيأها وحفظها من المفسدين ،وجعل يتعاهدها ليصلحها ويستعين بمغلها على عمارتها .

       جوارح المعصية :

والثاني بمنزلة رجل أخذ تلك الأرض وجعلها مأوى لما يفسدها ،وأخذ ما أعين به على إصلاحها فجعله لأهل الشر والفساد .

    جوارح البطالة :

والثالث بمنزلة رجل عطلها وأهملها وترك الماء ضائعا فقعد مذموما محسورا .

فهذا مثال أهل الغفلة ،والذي قبله مثال أهل الخيانة ،والأول مثال أهل اليقظة والاستعداد لما خلقوا له .

فالأول : إذا تحرك أو سكن أو أكل أو شرب أو نام أو لبس أو نطق أو سكت كان ذلك كله له لا عليه ،وكان في ذكر وطاعة وقربة ومزيد .

والثاني : إذا فعل ذلك كان عليه لا له ،وكان في خسران .

والثالث : إذا فعل ذلك كان في غفلة وتفريط .

فالأول : يتقلب فيما يتقلب فيه بحكم الطاعة

والثاني : يتقلب في ذلك بحكم الخيانة والتعدي معاقب على التنعم بها في غير طاعة

والثالث : يتقلب في ذلك بحكم الغفلة لم يبتغ بذلك رضوان الله فهذا خسران بين إذ عطل أوقات عمره عن أفضل الأرباح .

فدعا الله سبحانه الموحدين إلى هذه الصلوات الخمس رحمة منه عليهم ،وهيأ لهم فيها أنواع العبادة لينال العبد من كل قول وفعل وحركة وسكون حظه من عطاياه .

        وافد الملك :

وكان سر الصلاة ولبها إقبال القلب فيها على الله وحضوره بكليته بين يديه

      كرم الملك :

والله سبحانه وتعالى خلق هذا النوع الإنساني لنفسه واختصه وخلق له كل شيء

كما في الأثر الإلهي ( ابن آدم خلقتك لنفسي وخلقت كل شيء لك فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له )

وفي أثر آخر ( خلقتك لنفسي فلا تلعب وتكفلت برزقك فلا تتعب ،ابن آدم اطلبني تجدني وإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا خير لك من كل شيء )

                     سبب القرب :

وجعل الصلاة سببا موصلا إلى قربه ومناجاته ومحبته والأنس به فاقتضت رحمة ربه الرحيم  به  أن جعل له من عبوديته عبودية جامعة مختلفة الأجزاء والحالات بحسب اختلاف الأحداث التي جاءت من العبد ،وبحسب شدة حاجته إلى نصيبه من كل جزء من أجزاء تلك العبودية .

  طهارة القدوم :

فبالوضوء يتطهر من الأوساخ ،والوضوء له ظاهر وباطن ،وظاهره طهارة البدن وأعضاء العبادة ،وباطنه وسره طهارة القلب من أوساخه بالتوبة .

ولهذا يقرن سبحانه بين التوبة والطهارة في قوله (( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ))

فإنه بالشهادة يتطهر من الشرك ،وبالتوبة يتطهر من الذنوب ،وبالماء يتطهر من الأوساخ الظاهرة .. فشرع له أكمل مراتب الطهارة قبل الوقوف بين يديه إذ يخلص من الإباق بمجيئه إلى داره ومحل عبوديته .

ولهذا كان المجيء إلى المسجد من تمام عبودية الصلاة الواجبة عند قوم والمستحبة عند آخرين .

     استقبال القبلة :

والعبد كان في حال غفلته كالآبق عن ربه ،وقد عطل جوارحه وقلبه عن الخدمة التي خلق لها فإذا جاء إليه فقد رجع من إباقه .

وأمر أن يستقبل القبلة بوجهه ،ويستقبل الله عز وجل بقلبه لينسلخ مما كان فيه من التولي والإعراض .

     حقيقة التكبير :

ثم كبره بالتعظيم والإجلال وواطأ قلبه في التكبير لسانه فكان ( الله ) أكبر في قلبه من كل شيء ،وصدق هذا التكبير بأنه لم يكن في قلبه شيء أكبر من الله يشغله عنه ، فإذا اشتغل عن الله بغيره وكان ما اشتغل به أهم عنده من الله كان تكبيره بلسانه دون قلبه .

 فالتكبير :

1-   يخرجه من لبس رداء التكبر المنافي للعبودية

2-   ويمنعه من التفات قلبه إلى غير الله

فإذا كان الله عنده وفي قلبه أكبر من كل شيء منعه حق قول ( الله أكبر ) والقيام بعبودية التكبير عن هاتين الآفتين اللتين هما من أعظم الحجب بينه وبين الله تعالى .

     دعاء الاستفتاح :

فإذا قال (( سبحانك اللهم وبحمدك )) وأثنى على الله بما هو أهله ،فقد خرج عن الغفلة التي هي حجاب أيضا بينه وبين الله .

وأتى بالتحية والثناء الذي يخاطب به الملك عند الدخول إليه ؛تعظيما له وتمجيدا ومقدمة بين يدي حاجته ،فكان في هذا الثناء من أدب العبودية ما يستجلب به إقباله عليه ورضاه عنه وإسعافه بحوائجه . 

        الاستعاذة بالله تعالى :

فإذا شرع في القراءة قدم أمامها الاستعاذة بالله من الشيطان فإنه أحرص ما يكون على العبد في مثل هذا المقام الذي هو أشرف مقاماته ...

فهو أحرص شيء على صرفه عنه واقتطاعه دونه بالبدن والقلب ،فإن عجز عن بدنه اقتطع قلبه وعطله عن القيام بين يدي الرب تعالى فأمر العبد بالاستعاذة بالله منه ليحيى قلبه ويستنير بما يتدبره ويتفهمه من كلام سيده الذي هو سبب حياته ونعيمه .

فإذا استعاذ بالله من الشيطان بعد عنه فأفضى القلب إلى معاني القرآن

الونقة وشاهد عجائبه التي تبهر العقول واستخرج من كنوزه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ،وكان الحائل بينه وبين ذلك النفس والشيطان ،والنفس منفعلة للشيطان سامعة منه ،فإذا بعد عنها لم بها الملك وثبتها وذكرها بما فيه سعادتها .

    القراءة :

فإذا أخذ في قراءة القرآن فقد قام في مخاطبة ربه ومناجاته فليحذر كل الحذر من التعرض لمقته أن يناجيه ويخاطبه وهو معرض عنه ملتفت إلى غيره ..

وليقف عند كل آية من الفاتحة ينتظر جواب ربه له فكانه سمعه يقول :

حمدني عبدي حين يقول (( الحمد لله رب العالمين ))

فإذا قال (( الرحمن الرحيم )) وقف لحظة ينتظر قوله (( أثنى علي عبدي ))

فإذا قال (( مالك يوم الدين )) انتظر قوله ( مجدني عبدي )

فإذا قال (( إياك نعبد وإياك نستعين )) انتظر قوله ( هذا بيني وبين عبدي )

فإذا قال (( اهدنا الصراط المستقيم )) إلى آخر السورة انتظر قوله ( هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل )   رواه مسلم .

     طعم الصلاة :

ومن ذاق طعم الصلاة علم أنه لا يقوم غير التكبير والفاتحة مقامهما ،كما لا يقوم غير القيام والركوع والسجود مقامها ،فلكل عبودية من عبودية الصلاة سر وتأثير وعبودية لا تحصل من غيرها ،ثم لكل آية من آيات الفاتحة عبودية وذوق ووجد يخصها .

تفسير سورة الفاتحة

 

 

      الحمد لله رب العالمين

فتحت هذه الكلمة إثبات كل كمال للرب تعالى فعلا ووصفا واسما ،وتنزيهه عن كل سوء وعيب فعلا ووصفا واسما ،فهو محمود في أفعاله وأوصافه وأسمائه ،منزه عن العيوب والنقائص في أفعاله وأوصافه وأسمائه ،فأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل لا تخرج عن ذلك ،وأوصافه كلها أوصاف كمال ونعوت جلال

وأسماؤه كلها حسنى ،وحمده قد ملأ الدنيا والآخرة ،والسموات والأرض وما بينهما وما فيهما ، فالكون كله ناطق بحمده ،والخلق والأمر صادر عن حمده ،وقائم بحمده ،ووجد بحمده  .

فحمده هو سبب وجود كل موجود ،وهو غاية كل موجود ،وكل موجود شاهد   

بحمده ،وإرساله رسوله - صلى الله عليه وسلم – بحمده ،وإنزاله كتبه بحمده ،والجنة عمرت بأهلها بحمده ،والنار عمرت بأهلها بحمده ،وما أطيع إلا بحمده ،وما عصي إلا بحمده ،ولا تسقط ورقة إلا بحمده ،ولا تتحرك في الكون ذرة إلا بحمده ،وهو المحمود لذاته وإن لم يحمده العباد ،كما أنه الواحد الأحد ولو لم يوحده العباد ،والإله الحق وإن لم يؤلهوه ،وهو سبحانه الذي حمد نفسه على لسان القائل

الحمد لله رب العالمين

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (( إن الله تعالى قال على لسان نبيه سمع الله لمن حمده )) رواه مسلم

فهو الحامد لنفسه على الحقيقة على لسان عبده فإنه الذي أجرى الحمد على لسانه وقلبه وإجراؤه بحمده .

فلله الحمد كله ،وله الملك كله ،وبيده الخير كله ،وإليه يرجع الأمر كله

فهذه المعرفة من عبودية الحمد .

ومن عبوديته أيضا أن يعلم أن حمده لربه سبحانه نعمة منه عليه يستحق عليها الحمد فإذا حمده على هذه النعمة استوجب عليه حمدا آخر على نعمة حمده وهلم جرا .

فالعبد لو استنفد أنفاسه كلها في حمده على نعمة من نعمه كان ما يجب له من الحمد ويستحق فوق ذلك وأضعاف،ولا يحصي أحد البتة ثناء عليه بمحامده .

ومن عبودية العبد شهود العبد لعجزه عن الحمد ،وأن ما قام به منه فالرب سبحانه هو المحمود عليه ؛إذ هو مجريه على لسانه وقلبه .

ومن عبوديته تسليط الحمد على تفاصيل أحوال العبد كلها ظاهرة وباطنة على ما يحب العبد وما يكرهه فهو سبحانه المحمود على ذلك كله في الحقيقة وإن غاب عن شهود العبد .

 

 

 

               (( رب العالمين ))

ثم لقوله  (( رب العالمين )) من العبودية شهود تفرده سبحانه بالربوبية ،وأنه كما أنه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومدبر أمورهم فهو وحده إلههم ومعبوهم ومفزعهم عند النوائب ،فلا رب غيره ،ولا إله سواه .

       ((الرحمن الرحيم )) 

ثم لقوله ( الرحمن الرحيم ) عبودية تخصها وهي شهود عموم رحمته وسعتها لكل شيء ،وأخذ كل موجود بنصيبه منها ،ولا سيما الرحمة الخاصة به التي أقامت عبده في خدمته ،يناجيه بكلامه ويسأله هدايته ورحمته ،فرحمته وسعت كل شيء كما أن حمده وسع كل شيء .

       (( مالك يوم الدين ))

ثم يعطي قوله ( مالك يوم الدين )) عبوديتها ويتأمل تضمنها لإثبات المعاد ،وأنه يوم يدين فيه العباد بأعمالهم في الخير والشر ،وذلك من تفاصيل حمده وموجبه .

ولما كان قوله (( الحمد لله رب العالمين )) إخبارا عن حمده تعالى قال الله (( حمدني عبدي )) ولما كان قوله (( الرحمن الرحيم )) إعادة وتكريرا لأوصاف كماله قال (( أثنى علي عبدي )) فإن الثناء إنما يكون بتكرار المحامد وتعداد أوصاف المحمود ،ولما وصفه سبحانه بتفرده ب (( مالك يوم الدين )) وهو الملك الحق المتضمن لظهور عدله وعظمته ووحدانيته وصدق رسله سمى هذا الثناء مجدا فقال (( مجدني عبدي )) فإن التمجيد هو الثناء بصفات العظمة والجلال .

 فإذا قال (( إياك نعبد وإياك نستعين )) انتظر جواب ربه له (هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ) وتأمل عبودية هاتين الكلمتين وحقوقهما ..وما تدفع كل واحدة من الكلمتين من الآفة المنافية للعبودية ،وكيف يدور القرآن من أوله إلى آخره على هاتين الكلمتين ،بل كيف يدور عليهما الخلق والأمر والثواب والعقاب ،وكيف تضمنتا لأجل الغايات وأكمل الوسائل ،وكيف جيء بهما بضمير الخطاب والحضور دون ضمير الغائب .

          اهدنا الصراط المستقيم

ثم تأمل ضرورته إلى قوله (( اهدنا الصراط المستقيم ))

الذي مضمونه : 1- معرفة الحق 2- وقصده وإرادته 3 – والعمل به  4- والثبات عليه    5- والدعوة إليه ،والصبر على أذى المدعو .

فباستكمال هذه المراتب الخمس تستكمل الهداية ،وما نقص منها نقص من هدايته .       

 

أمور الهداية :

ولما كان العبد مفتقرا إلى هذه الهداية في ظاهره وباطنه ،في جميع ما يأتيه ويذره من :

1-   أمور قد فعلها على غير الهداية علما وعملا وإرادة ،فهو محتاج إلى التوبة منها ،وتوبته منها هي الهداية

2-   وأمور قد هدي إلى أصلها دون تفاصيلها ،فهو محتاج إلى هداية تفاصيلها

3-   وأمور قد هدي إليها من وجه دون وجه فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها

4-   وكذلك الهداية في المستقبل

5-   وأمور يعتقد فيها بخلاف ماهي عليه فهو محتاج إلى هداية تنسخ من قلبه ذلك الاعتقاد وتثبت فيه ضده

6-   وأمور من الهداية هو قادر عليها ،ولكن لم يخلق له إرادة فعلها فهو محتاج إلى خلق إرادة يفعلها بها

7-   وأمور منها هو غير قادر على فعلها مع كونه مريدا فهو محتاج في هدايته على إقداره عليها

8-   وأمور منها هو غير قادر عليها ولا مريد لها فهو محتاج إلى خلق القدرة والإرادة له لتتم له الهداية

9-   وأمور هو قائم بها على وجه الهداية اعتقادا وإرادة وعملا فهو محتاج إلى الثبات عليها

كانت حاجته إلى سؤال الهداية أعظم الحاجات فرض عليه الرب الرحيم سؤالها كل يوم وليلة في أفضل أحواله .

   الناس والهداية :

1-   منعم عليه بحصولها وحظه بحسب حظه من تفاصيله

2-   وضال لم يعط هذه الهداية

3-   ومغضوب عليه عرفها ولم يوفق للعمل بموجبها

مشروعية التأمين :

ثم شرع له التأمين تفاؤلا بإجابته ،ولهذا اشتد حسد اليهود للمسلمين عليه .

   الركوع :

ثم شرع له رفع اليدين عند الركوع تعظيما لأمر الله وزينة للصلاة وعبودية خاصة لليدين كعبودية باقي الجوارح واتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فهو حلية الصلاة وزينتها وتعظيما لشعائرها .

ثم شرع له التكبير الذي هو في انتقالات الصلاة من ركن على ركن كالتلبية من انتقال لمشعر إلا آخر فهو شعار الصلاة ليعلم العبد أن سر الصلاة هو تعظيم الرب تعالى وتكبيره بعبادته وحده .

ثم شرع له بأن يخضع للمعبود سبحانه بالركوع خضوعا لعظمته فثنى العبد له صلبه ونكس له رأسه وحنى له ظهره معظما له ناطقا بتسبيحه المقترن بتعظيمه فاجتمع له خضوع القلب وخضوع الجوارح وخضوع القول على أتم الأحوال ،فالخضوع وصف العبد ،والعظمة وصف الرب .  

     الاعتدال من الركوع :

ثم شرع له أن يحمد ربه ويثني عليه عند اعتداله فيحمد ربه ويثني عليه بأن وفقه لذلك الخضوع ،ولذلك الاعتدال ذوق خاص ،وهو ركن مقصود لذاته كركن الركوع والسجود سواء ؛ ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيله كما يطيل الركوع والسجود ويكثر فيه من الثناء والحمد ،وكان في قيام اليل يكثر مفيه من قول ((لربي الحمد لربي الحمد )) يكررها .رواه أبو داود .

        السجدة الأولى :

والسجود فيه غاية ذل العبد بوضعه أشرف ما فيه وهو وجهه بالأرض متذللا لعظمته خاضعا لعزته ،وقد سجد أنفه ويداه وركبتاه ورجلاه فأحر به في هذه الحال أن يكون أقرب إلى ربه منه في غيرها من الأحوال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد )) رواه مسلم

       سجود القلب :

    ولما كان سجود القلب خضوعه التام لربه ،أكنه استدامة هذا السجود إلى يوم لقائه .كما قيل لبعض السلف: هل يسجد القلب ؟ قال .( أي والله سجدة لا يرفع رأسه منها حتى يلقاه ) وهو سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى .

  أسماء الصلاة :

ولما بنيت الصلاة على خمس : القراءة والقيام والركوع والسجود والذكر سميت باسم كل واحد من هذه الخمس .

فسميت قياما (( قم اليل ))

وقراءة ( وقرآن الفجر ))

وركوعا (( واركعوا مع الراكعين ))

وسجودا (( واسجد واقترب ))

وذكرا (( فاسعوا إلى ذكر الله ))

وأشرف أفعالها السجود ،وأشرف أذكارها القراءة ،وأول سورة أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم افتتحت بالقراءة وختمت بالسجود ،ووضعت الركعة على ذلك ،أولها قراءة وآخرها سجود .    

الاعتدال من السجود :

ثم شرع له أن يرفع رأسه ويعتدل جالسا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيله بقدر السجود ويسأله رحمته وهدايته ورزقه وعافيته وله ذوق خاص غير ذوق السجود وحاله .

والقلب شريك النفس في الخير والشر ،والنفس من شأنها الإباق وتضييع حقوق الله ،والقلب شريكها إن قوي سلطانها وأسيرها ،وهي شريكة وأسيرة إن قوي سلطانه .

   جماع الخير

ثم شرع للعبد أن يلجأ إلى الله بأن يرحمه ويغفر له ويهديه ويرزقه ويعافيه وهذه الخمس هي جماع خير الدنيا والآخرة .

 

السجدة الثانية :

وشرع له أن يعود ساجدا كما كان ،ولا يكتفي بسجدة واحدة لفضل السجود وشرفه وموقعه من الله ،حتى إنه أقرب ما يكون إلى عبده وهو ساجد ،ومحله من الصلاة محل طواف الزيارة ،ولهذا قال بعض الصحابة لمن كلمه في طوافه بأمر من الدنا ( أتقول هذا ونحن نتراءى لله في طوافنا )

وجعل الركوع قبل السجود تدريجا وانتقالا من الشيء إلى ما هو أعلى منه ،وشرع تكرير هذه الأفعال والأقوال إذ هي غذاء القلب والروح التي لا قوام له إلا بها ،فكان تكريرها بمنزلة تكرير الأكل حتى يشبع والشرب حتى يروى

قال بعض السلف : الذي يصلي ولا يطمئن في صلاته كمثل الجائع إذا قدم إليه الطعام تناول منه لقمة أو لقمتين ما ذا تغني عنه .

هذا وفي إعادة كل قول وفعل من العبودية والقرب وتنزيل الثانية بمنزلة الشكر على الأولى وحصول مزيد منها ومعرفة وإقبال وقوة قلب وانشراح صدر وزوال درن ووسخ عن القلب بمنزلة غسل الثوب مرة بعد مرة ،فهذه حكمة الله التي بهرت العقول في خلقه وأمره ،ودلت على كمال رحمته ولطفه .

       جلوس التشهد :

فلما أنهى صلاته شرع له الجلوس بين يدي ربه مثنيا عليه بأفضل التحيات التي لا تصلح إلا له ولا تليق بغيره .

        التحيات لله :

فكل تحية يحيى بها ملك من سجود أو ثناء أو بقاء ودوام فهي لله عز وجل ،ولهذا أتى بها مجموعة معرفة باللام أداة العموم وهي جمع تحية .

فالتحيات له ملكا ،والصلوات له عبودية واستحقاقا ،فالطيبات له وصفا وفعلا وقولا ونسبة .

وأيضا : فمعاني الكلمات الطيبات لله وحده ،فإن الكلمات الطيبات تتضمن تسبيحه وتحميده وتكبيره وتمجيده والثناء عليه بآلائه وأوصافه .

ف ( سبحان الله ) تتضمن تنزيهه عن كل نقص وعيب وسوء وعن خصائص المخلوقين

و (الحمد لله ) تتضمن إثبات كل كمال له قولا وفعلا ووصفا على أتم الوجوه أزلا وأبدا .

و ( لا إله إلا الله ) تتضمن انفراده بالإلهية وأن كل معبود سواه باطل ،وأنه وحده الإله الحق ،وأنه من تأله غيره فهو بمنزلة من اتخذ بيتا من بيوت العنكبوت يأوي إليه ويسكنه .

و(الله أكبر ) تتضمن أنه أكبر من كل شيء وأجل وأعظم ،فهذه الكلمات الطيبات لا تصلح هي ومعانيها إلا لله وحده

السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى عباد الله الصالحين

ثم شرع له أن يسلم على عباد الله الذين اصطفى بعد تقدم الحمد والثناء عليه بما هو أهله فطابق ذلك قوله تعالى (( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ))

وكأنه امتثال له .

وقدم في هذه التحية أولى الخلق بها وهو النبي صلى الله عليه وسلم الذي نالت أمته على يده كل خير ،وعلى نفسه وعلى سائر عباده الله الصالحين        

شهادة الحق :

ثم شرع له بعد هذه التحية والتسليم على من ستحق التسليم خصوصا وعموما أن يشهد شهادة الحق التي بنيت عليها الصلاة ،وهي حق من حقوقها ولا تنفعه إلا بقرينتها وهي شهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة ،وختمت بها الصلاة

كما قال عبد الله بن مسعود (فإذا قلت ذلك فقد قضيت صلاتك فإن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد )

وهذا إما على الحقيقة كما يقول الكوفيون ،أو على مقاربة انقضائها كما يقوله أهل الحجاز .

وعلى التقديرين فجعلت شهادة الحق خاتمة الصلاة كما شرع أن تكون خاتمة الحياة ،فمن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة .

(إشارة لحديث (( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) رواه أبو داود )

وكذلك شرع للمتوضئ أن يختم وضوءه بالشهادتين . 

         انقضاء الصلاة :

ثم لما قضى صلاته أذن له أن يسأل حاجته ،وشرع له أن يتوسل قبلها بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإنها من أعظم الوسائل بين يدي الدعاء كما في السنن عن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إذا دعا أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ،وليصل على رسوله ثم ليسأل حاجته ))

فجاءت التحيات على ذلك .

ونظير هذا ما شرع لمن سمع المؤذن  

1-   أن يقول كما يقول المؤذن

2-   أن يقول (( رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا

3-   وأن يسأل الله لرسوله – صلى الله عليه وسلم – الوسيلة والفضيلة وأن يبعثه المقام المحمود

4-   ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم

5-   ثم يسأل الله حاجته .

فهذه خمس سنن في إجابة المؤذن لا ينبغي الغفلة عنها .

 

       الإقبال على الله تعالى :

وسر الصلاة وروحها ولبها هو إقبال العبد على الله بكليته ،وعلى حسب إقبال العبد على الله في صلاته يكون إقبال الله عليه .

 وللإقبال ثلاث منازل :

1-   إقبال على قلبه فيحفظه من الوساوس والخطرات المبطلة لثواب صلاته ،أو المنقصة له

2-   إقبال على الله بمراقبته حتى كأنه يراه

3-   إقبال على معاني كلامه وتفاصيل عبودية الصلاة ليعطيها حقها  

وباستكما هذه المراتب تكون إقامة الصلاة حقا :

فإذا قام فإقباله على قيوميته

فإذا سبحه فإقباله تنزيهه والثناء عليه بأوصافه 

فإذا استعاذ به فإقباله على ركنه الشديد وحفظه

فإذا تلا كلامه  فإقباله على معرفته من كلامه حتى كأنه يراه ويشاهده كما قال بعض السلف ( هو جعفر بن محمد  الصادق )

لقد تجلى الله لعباده في كلامه .

فهو في هذه الحالة مقبل عل ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه

فإذا ركع فإقباله على عظمته وجلاله  ، ولهذا شرع له أن يقول :

سبحان ربي العظيم

فإذا رفع رأسه من الركوع فإقباله على حمده والثناء عليه وتمجيده وعبوديته له ،وتفره بالعطاء والمنع

فإذا سجد فإقباله على قربه والتذلل بين يديه

فإذا رفع رأسه وجثى على ركبتيه فإقباله على غناه وجوده بأن يغفر له ويرحمه ويعافيه ويهديه ويرزقه

فإذا جلس في التشهد فله حال آخر شبه حال الحاج في طواف الوداع ،وقد استشعر قلبه الانصراف وحزن على فراق الصلاة والانشغال بالشواغل الأخرى التي تجلب الهم والغم والنكد .  

     

        

تسليم النفس :

ولما كان العبد بين أمرين من ربه جل جلاله :

1-   أحدهما حكم عليه في أحواله كلها ،واقتضاؤه منه القيام بعبودية حكمه القدري من صبر وشكر ...

2-   فعل يفعله العبد عبودية لربه وهو موجب حكمه الديني ،وكلا الأمرين يوجبان تسليم النفس إليه تعالى .

ولهذا اشتق له اسم الإسلام من التسليم لهما .

         صورة الصلاة :

ولما اطمأن قلبه يذكره وكلامه ومحبته وعبوديته سكن إليه وقرت عينه فنال الأمان بإيمانه ،ولما بلي بالنفس والهوى والشيطان اقتضت رحمة الرحيم أن شرع له الصلاة وجعلت صورتها على صورة أفعاله خشوعا وانقيادا وجعل منزلتها ومحلها الدخول على الله – تبارك وتعالى والتزين للعرض عليه ؛تذكيرا بالعرض الأكبر عليه يوم اللقاء .

                               قرة العين :

وكما أن الصوم ثمرته تطهير النفس ،وثمرة الزكاة تطهير المال ،وثمرة الحج وجوب المغفرة ،وثمرة الجهاد تسليم النفس التي اشتراها سبحانه من العباد وجعل الجنة ثمنها فالصلاة ثمرتها الاقبال على الله ،وإقبال الله سبحانه على العبد ،وفي الاقبال جميع ما ذكر من ثمرات الأعمال ،ولذلك لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم جعلت قرة عيني في الصوم ولا في الحج والعمرة .

وتأمل قوله (( وجعلت قرة عيني في الصلاة )) ولم يقل بالصلاة إعلاما بأن عينه إنما تقر بدخوله فيها ،كما تقر عين المحب بملابسته لمحبوبه .

ولما جاء إلى راحة القلب من تعبه ونصبه قال (( يا بلال أرحنا بالصلاة ))

أي : أقمها لنستريح بها من مقاساة الشواغل ،كما يستريح التعبان إذا وصل إلى منزله وقر فيه وسكن .

                راحة الصلاة :

وتأمل كيف قال : أرحنا بها ،ولم يقل أرحنا منها ،كما يقوله المتكلف بها الذي يفعلها تكلفا وغرما لأنها قطعت عليه محبوباته ،ففرق بين من كانت الصلاة لجوارحه قيدا أو لقلبه سجنا ،وبين من كانت الصلاة لقلبه نعيما ولعينه قرة عين ولجوارحه راحة ،ولنفسه يستانا ولذة .

1-   فالأول الصلاة سجن لنفسه ،وقد يناله من التكفير والرحمة بحسب عبوديته لله فيها

2-   والقسم الأخر الصلاة بستان لقلوبهم وقرة لعيونهم ،وتوجب لهم القرب من الله تعالى مع ثوابهم عليها ،ولهذا يعد الملوك من أرضاهم بالأجر والتقريب كما قال السحرة لفرعون (( إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين )) :

1-   فالأول عبد دخل الدار والستر حاجب بينه وبين رب الدار فلذلك لم تقر عينه لأنه في حجب الشهوات وغيوم الهوى ،والنفس مكبة على ما تهواه .

2-   والآخر دخل دار الملك ورفع الستر بينه وبينه فقرت عينه ،واطمأنت نفسه ،وخشع قلبه وجوارحه ،وعبد الله كأنه يراه ،وتجلى له في كلامه .

فهذه إشارة ما ،ونبذة يسيرة جدا في ذوق الصلاة .

    والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

      

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الرسالة الثانية ( فيه نوع تكرار وتداخل مع الرسالة الأولى الطويلة )     

         إقامة الصلاة :

فأمرنا بإقامتها : وهو الإتيان بها قائمة تامة القيام والركوع والسجود والأذكار ،وقد علق الله سبحانه الفلاح بالخشوع ،فإن حضور العبد في الصلاة وخشوعه فيها على قدر رغبته في الله تعالى .

ولن تكاد تجد ذكر الصلاة في موضع من التنزيل إلا مقرونا بإقامتها ،فالمصلون في الناس قليل ،ومقيمو الصلاة منهم أقل القليل ،كما قال عمر رضي الله عنه :

( الحاج قليل ،والركب كثير )

   أقسام المصلين :

فمنهم من كانت الصلاة ربيعا لقلبه وقرة لعينه

ومنهم من هي سحت لقلبه وقيد لجوارحه وثقيلة عليه

والله تعالى أمر بالاستعانة بها فقال (( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا عل الخاشعين ))

   قدر الصلاة :

قال أحمد : إنما حظهم  من الاسلام على قدر حظهم في الصلاة .

وليس حظ القلب العامر بمحبة الله وتعظيمه كحظ القلب الخالي من ذلك

فحمده سبحانه يتضمن وصفه بكل كمال ،وكمال الاسم من كمال مسماه .

     استفتاح الصلاة

  وههنا أمر عجيب يحصل لمن تفقه قلبه في معاني الأسماء والصفات وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه بحيث يرى لكل اسم وصفة موضعا من صلاته .

فإذا انتصب قائما شاهد بقلبه قيوميته

وإذا قال الله أكبر شاهد كبرياءه

وإذا قال (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ))

شاهد بقلبه ربا منزها عن كل عيب محمودا بكل حمد تبارك اسمه فلا يذكر على قليل إلا كثره ولا على آفة إلا أذهبها ولا على شيطان إلا رده خاسئا ،وكمال الاسم من كمال مسماه ،فإذا هذا شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء شيء في الأرض ولا في السماء قشأن المسمى أعلى وأجل .

و ( تعالى جده ) أي ارتفعت عظمته فوق كل عظمة ،فتعالى جده أن يكون معه شريك في ملكه وربوبيته أو في إلهيته أو في أفعاله أو في صفاته كما قال مؤمنو الجن (( وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ))      

الاستعاذة

فإذا قال ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) فقد آوى إلى ركنه الشديد واعتصم بحوله وقوته من عدوه الذي يريد أن يقطعه عن ربه .

    الحمد لله رب العالمين

فإذا قال (( الحمد لله رب العالمين )) وقف هنية يسيرة ينتظر جواب ربه له (حمدني عبدي ) فإذا قال (( الرحمن الرحيم )) انتظر الجواب بقوله ( أثنى علي عبدي )

فإذا قال (( مالك يوم الدين )) انتظر جوابه ( مجدني عبدي )

فيا لذة قلبه وقرة عينه وسرور نفسه بقول ربه ( عبدي ) ثلاث مرات

فو الله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات ،وغيم النفوس لاستطيرت فرحا وسرورا بقول ربها وفاطرها ومعبودها (( حمدني عبدي وأثنى علي عبدي ومجدني عبدي ))

ثم يكون لقلبه مجال من شهود هذه الأسماء الثلاثة التي هي أصول الأسماء الحسنى وهي : الله والرب والرحمن ،فشاهد قلبه من ذر اسم الله – تبارك وتعالى – إلها معبودا لا يستحق العبادة غيره ،قد خضعت له الموجودات (( تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده )) وخلق كل شيء ،وأرسل الرسل وأنزل الكتب ،وشاهد من ذكر اسمه (( رب العالمين )) قيوما قام بنفسه ،وقام به كل شيء ،وتفرد بالتدبير .

    (( الرحمن الرحيم ))

ثم يشهد عند ذكر اسم (( الرحمن )) جل جلاله ربا محسنا إلى خلقه بأنواع الإحسان ،فوسعت رحمته كل شيء ،وأرسل رسله برحمته ،وخلق الجنة برحمته ،والنار أيضا برحمته ،فإنها سوطه الذي يسوق به عباده المؤمنين إلى جنته ،ويطهر بها أدران الموحدين من أهل معصيته ،وسجنه الذي يسجن فيه أعداءه من خليقته .

فالرحمة هي السبب المتصل منه بعباده ،كما أن العبودية هي السبب المتصل به منهم ،فمنهم إليه العبودية ،ومنه إليهم الرحمة .

ومن أخص مشاهد هذا الاسم شهود المصلي نصيبه من الرحمة الذي أقامه بها بين يدي ربه ،وأهله لعبوديته ومناجاته .

 (( مالك يوم الدين ))

فإذا قال (( مالك يوم الدين )) فهنا شهد المجد الذي لا يليق بسوى الملك الحق المبين ،فيشهد ملكا قاهرا ذلت لعظمته الجبابرة .

((إياك نعبد وإياك نستعين ))

فإذا قال (( إياك نعبد وإياك نستعين )) ففيها سر الخلق والأمر والدنيا والآخرة وهي متضمنة لأجل الغايات وأفضل الوسائل،

فأجل الغايات عبوديته ،وأفضل الوسائل إعانته ،فلا معبود يستحق العبادة إلا هو ،ولا معين على عبادته غيره ،فعبادته أعلى الغايات ،وإعانته أجل  الوسائل .

وقد أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب جمع معانيها في أربعة :

وهي : التوراة والانجيل والقرآن والزبور ،وجمع معانيها في القرآن ،وجمع معانيها في المفصل ،وجمع معانيها في الفاتحة ،وجمع معانيها في (( إياك نعبد وإياك نستعين ))

فهو تعالى يعبد بألوهيته ،ويستعان بربوبيته ،ويهدي إلى الصراط المستقيم برحمته .

     (( اهدنا الصراط المستقيم ))

وهذا الدعاء نحتاج إليه في كل نفس ،وهذا المطلوب من هذا الدعاء لا يتم إلا بالهداية إلى الطريق الموصل إليه سبحانه والهداية فيه ،وهي هداية التفصيل ،وخلق القدرة على الفعل ،وإرادته وتكوينه ،وتوفيقه لإيقاعه على الوجه المرضي المحبوب للرب سبحانه وتعالى ،وحفظه عليه من مفسداته حال فعله وبعد فعله .

   

       أمور الهداية :

     ولما كان العبد مفتقرا إلى أنواع الهداية في جميع حالاته :

1-   أمور قد أتاها على غير الهداية فهو يحتاج إلى التوبة منها

2-   وأمور هدي إلى أصلها دون تفاصيلها

3-   أو هدي إليها من وجه دون وجه فهو يحتاج إلى تمام الهداية فيها ليزداد هدى

4-   وأمور هو يحتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها بالمستقبل مثل ما حصل له في الماضي

5-   وأمور هو خال عن اعتقاد فيها فهو يحتاج إلى الهداية فيها

6-   وأمور لم يفعلها فهو يحتاج إلى فعلها على وجه الهداية

7-   وأمور قد هدي إلى الاعتقاد الحق والعمل الصواب فيها فهو محتاج إلى الثبات عليها وغير ذلك .

لذلك فرض الله سبحانه عليه أن يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله مرات متعددة في اليوم والليلة .

    الناس والهداية :

1-   منعم عليه بحصولها واستمرارها

2-   والمغضوب عليهم كاليهود وهم الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه

3-   والضالون كالنصارى وهم الذين عبدوا الله بغير علم .

   التأمين :

ثم شرع له التأمين تفاؤلا بإجابته ،وقد حسد اليهود المسلمين حين سمعوهم يجهرون به .

           الركوع :

فشرع للراكع أن يذكر عظمة ربه في حال انخفاضه ،وأفضل ما يقول الراكع على الاطلاق ( سبحان ربي العظيم ) فإن الله سبحانه أمر العباد بذلك ،وعين المبلغ عنه هذا المحل لهذا الذكر لما نزلت (( فسبح بسم ربك العظيم )) قال (( اجعلوها في ركوعكم )) وأبطل كثير من أهل العلم صلاة من تركها عمدا ،وأوجب سجود السهو على من سها عنها ،وهذا مذهب أحمد ومن وافقه من أئمة الحديث ،وبالجملة فسر الركوع  تعظيم الرب جل جلاله بالقلب والقالب والقول ؛ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (( أما الركوع فعظموا فيه الرب )) روا مسلم

 كرفع اليدين الذي هو زينة الصلاة ،واتباع السنة ،وتعظيم أمر الله ،وعبودية لليدين ،وشعار الانتقال من ركن إلى ركن .

ثم يأخذ في مناجاته ربه بكلامه واستماعه من الامام بالانصات ،وحضور القلب وشهوده .

وأفضل أذكار الصلاة ذكر القيام ،وأحسن هيئة المصلي هيئة القيام فخصت بالحمد والثناء والمجد وتلاوة كلام الرب جل جلاله .

ولهذا نهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود لأنهما حالتا ذل وخضوع وتضامن وانخفاض ،ولهذا شرع فيهما من الذكر ما يناسب هيئتهما .

وشرع للذاكر أن يذكر عظمة ربه في حال انخفاضه هو وتطامنه وخضوعه ،وأنه سبحانه بوصف عظمته عما يضاد كبرياءه وجلاله

 

 

    

الرفع من الركوع شعاره :

حمد الله والثناء عليه وتمجيده ،سمع الله لمن حمده أي سمع سمع قبول وإجابة .

فإن قوله (( ربنا )) متضمن في المعنى : أنت الرب والملك القيوم الذي بيديه أزمة الأمور وإليه مرجعها .

فهذا الحمد قد ملأ الخلق الموجود ،وهو يملأ ما يخلقه الرب تبارك وتعالى بعد ذلك مما يشاؤه فحمده قد ملأ كل موجود ،وملأ ما سيوجد ،ثم أتبع ذلك بقوله (( أحق ما قال العبد )) تقريرا لحمده وتمجيده والثناء عليه وأن ذلك أحق ما نطق به العبد ،ثم أتبع ذلك بالاعتراف بالعبودية وأن ذلك حكم عام لجميع العبيد ،ثم عقب ذلك بقوله (( لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ))

وهذا يتضمن أمورا :

أحدها : أنه المنفرد بالعطاء والمنع

الثاني : أنه إذا أعطى لم يطق أحد منع من أعطاه ،وإذا منع لم يطق أحد إعطاء من منعه

الثالث : أنه لا ينفع عنده ولا يخلص من عذابه ،ولا يدني من كرامته جدود بني آدم وحظوظهم من الملك والرئاسة والغنى وطيب العيش ..إنما ينفعهم عنده التقرب إليه بطاعته وإيثار مرضاته ...

فاشتمل هذا الركن على أفضل الأذكار وأنفع الدعاء : من حمده وتمجيده والثناء

عليه، والاعتراف له بالعبودية والتوحيد ،والتنصل إليه من الذنوب .

          السجود :

ثم يكبر ويخر لله ساجدا ،وشرع السجود على أكمل الهيئة وأبلغها في العبودية ،وأعمها لسائر الأعضاء بحيث يأخذ كل جزء من البدن بحظه من العبودية .

والسجود سر الصلاة وركنها الأعظم وخاتمة الركعة ،وما قبله من الأركان كالمقدمات له فهو شبه طواف الإفاضة ،ولهذا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ،ولهذا كان الدعاء في هذا المحل أقرب إلى الإجابة .   

وقد حكم سبحانه بشرعه وقدره أن الطيبات للطيبين فإذا كان هو سبحانه الطيب على الإطلاق فالكلمات الطيبات والأفعال الطيبات والصفات الطيبات والاسماء الطيبات كلها له سبحانه لا يستحقها أحد سواه

 

ولما كان السلام من أنواع التحية شرع أن يطلب منه السلام لعباده الذين اختصهم بعبوديته وشرع أن يبدأ بأكرمهم عليه وأحبهم إليه وأقربهم منه منزلة في هذه التحية ثم ختمت هذه التحية بالشهادتين اللتين هما مفتاح الإسلام ، فشرع أن يكون خاتمة الصلاة فدخل فيها بالتكبير والتحميد والثناء والتمجيد وتوحيد الربوبية والإلهية وختمها بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله

فكأن المصلي توسل إلى الله سبحانه بعبوديته ثم بالثناء عليه والشهادة له بالوحدانية ولرسوله بالرسالة ثم الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قيل له : تخير من الدعاء أحبه إليك فذاك الحق الذي عليك ، وهذا الحق الذي لك ، وشرعت الصلاة آله مع الصلاة عليه تكميلا لقرة عينه بإكرام آله والصلاة عليهم وأن يصلى عليه

بالتوبة بخلاف فتنة الممات وفتنة الدجال فإن المفتون بهما لا يتداركهما .

                               الدعاء قبل السلام

ثم شرع له من الدعاء ما يختاره من مصالح دنياه وآخرته والدعاء في هذا المحل قبل السلام أفضل من الدعاء بعد السلام وأنفع للداعي ، وهكذا كانت عامة أدعية النبي صلى الله عليه وسلم كلها كانت في الصلاة من أولها إلى آخرها

وعلم الصديق دعاء يدعوا به في صلاته ، وعلم الحسن بن علي دعاء يدعو به في قنوت الوتر ، وكان إذا دعا لقوم أو على قوم جعله في الصلاة بعد الركوع

م. وسر ذلك أن المصلي قبل سلامه في محل المناجاة والقربة بين يدي ربه فسؤاله في هذه الحال أقرب إلى الإجابة من سؤاله بعد انصرافه من يدي ربه

وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الدعاء أسمع ؟ فقال ( جوف الليل وأدبار الصلوات المكتوبة ) رواه الترمذي

 

-       فتحريمها : أي الصلاة تكبير الرب تعالى الجامع لإثبات كل كمال له ، وتنزيهه عن كل نقص وعيب وإفراده وتخصيصه بذلك وتعظيمه وإجلاله

 

م – فالتكبير يتضمن تفاصيل أفعال الصلاة وأقوالها وهيئاتها .

فالصلاة من أولها إلى آخرها تفصيل لمضمون ( الله أكبر) فلا أحسن من هذا التحريم المتضمن للإخلاص والتوحيد ومن هذا التحليل المتضمن للإحسان إلى إخوانه المؤمنين فافتتحت بالإخلاص ، وختمت بالإحسان .

 

والمتكلف الفارغ القلب من الله والدار الآخرة ، المبتلى بمحبة الدنيا أشق ما عليه الصلاة ، وأكره ما إليه طولها مع تفرغه وصحته وعدم اشتغاله .

       

                         السجود

وشرع السجود على أكمل الهيئة وأبلغها في العبودية وأعمها لسائر الأعضاء بحيث يأخذ كل جزء من البدن بحظه من العبودية .

والسجود سر الصلاة وركنها الأعظم وخاتمة الركعة

وما قبله من الأركان كالمقدمات له ،فهو شبه طواف الزيارة في الحج (أي طواف الافاضة ) فإنه مقصود الحج ومحل الدخول على الله وزيارته ،وما قبله كالمقدمات له ،ولهذا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ،وأفضل الأحوال له حال يكون فيها أقرب إلى الله ،ولهذا كان الدعاء في هذا المحل أقرب إلى الإجابة .

   أصل الانسان :

ولما خلق الله سبحانه العبد من الأرض كان جديرا بأن لا يخرج عن أصله ،بل يرجع إليه إذا تقاضاه الطبع والنفس بالخروج عنه ،فإن العبد لو ترك لطبعه ودواعي نفسه لتكبر وأشر وخرج عن أصله الذي خلق منه ولوثب على حق ربه من الكبرياء والعظمة فنازعه إياهما فامر بالسجود خضوعا لعظمة ربه فيكون هذا الخضوع ردا له إلى حكم العبودية ،ويتدارك ما حصل له من الغفلة فيتمثل له حقيقة التراب الذي خلق منه ويضع اشرف شيء منه وجهه في التراب ،وهذا غاية خشوع الظاهر فإن الله خلقه من الأرض التي هي مذللة للوط ء بالأقدام واستعمله فيها ورده إليها ووعده بالاخراج منها فهي أمه وأبوه وأصله وفصله فضمته حيا على ظهرها وميتا في بطنها .

قال مسروق لسعيد بن جبير : يا سعيد ما بقي شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في هذا التراب له .

      سنن السجود :

ومن كمال السجود الواجب أنه يسجد على الأعضاء السبعة : الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين .

وإذا رأى الشيطان ابن آدم ساجدا لله اعتزل ناحية يبكي ويقول : يا ويله امر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وامرت بالسجود فعصيت فلي النار )) رواه مسلم

ولذلك أثنى الله سبحانه على الذين يخرون سجدا عند سماع كلامه ،وذم من لا يقع ساجدا عنده ...

ولما علمت السحرة صدق موسى وكذب فرعون خروا سجدا لربهم فكانت تلك السجدة أول سعادتهم وغفران ما أفنوا فيه أعمارهم من السحر .

واخبر تعالى عن سجود جميع المخلوقات له (( ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون ... ))

فالذي حق عليه العذاب هو الذي لا يسجد له سبحانه وهو أهانه بترك السجود .

   تكرار السجود :

ولما كان،ت العبودية غاية كمال الانسان ،وقربه من الله بحسب نصيبه من عبوديته ،وكانت الصلاة جامعة لمتفرق العبودية متضمنة لأقسامها كانت أفضل أعمال العبد ،ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط منه ،وكان السجود أفضل أركانها الفعلية وسرها التي شرعت لأجله ،وكان تكرره في الصلاة أكثر من تكرر سائر الأركان ،وشرع فيه من الثناء على الله ما يناسبه وهو قول العبد (( سبحان ربي الأعلى )) للحديث (( اجعلوها في سجودكم )) رواه أبو داود

ومن تركه عمدا فصلاته باطلة عند كثير من العلماء منهم الإمام أحمد وغيره لأنه لم يفعل ما أمر به  ،وكان وصف الرب بالعلو في هذه الحال في غاية المناسبة لحال الساجد فكر علو ربه في حال سفوله ،ونزه ربه عما لا يليق به .

 

      

 

 

تلخيص الرسالة الثالثة في ذوق الصلاة

فالصلاة قرة عيون المحبين في هذه الدنيا لما فيها من مناجاة من لا تقر العيون ولا تطمئن القلوب ،ولا تسكن النفوس إلا إليه ،والتنعم بذكره ،والتذلل والخضوع له ولا سيما حال السجود التي هي أقرب ما يكون العبد فيها من ربه .

ومن هذا حديث (( يا بلال أرحنا بالصلاة )) رواه أحمد وأبو داود

فالمحب راحته في الصلاة بعكس الغافل

والصلاة التي تقر بها العين هي التي تجمع ستة مشاهد :

1-     الإخلاص : بأن يكون الحامل عليها محبة الله تعالى لا غير

2-     مشهد الصدق والنصح بأن يقيمها ظاهرا وباطنا بأحكامها وخشوعها

3-     مشهد المتابعة والاقتداء لحديث (( صلوا كما رأيتموني أصلي ))

4-     مشهد الإحسان وهو مشهد المراقبة لله تعالى ومشهد الإحسان أصل أعمال القلوب كلها فإنه يوجب الحياء والإجلال والتعظيم والخشية والمحبة والإنابة والتوكل ،ويقطع الوساوس وحديث النفس ،ويجمه الهم والقلب على الله تعالى .

فحظ العبد من القرب من الله على قدر حظه من مقام الإحسان .

5-     مشهد المنة : فيشهد منة الله عليه أن أقامه هذا المقام وأهله له ووفقه لقيام قلبه وبدنه في خدمته .

والله لولا الله ما اهتدينا     - ولا تصدقنا ولا صلينا

فالله هو الذي جعل المسلم مسلما والمصلي مصليا  قال تعالى (( وما بكم من نعمة فمن الله ))

ومن فوائد هذا المشهد أن يحول بين القلب وبين العجب بالعمل ورؤيته فالله تعالى هو صاحب المنة عليه .

ومن فوائده : أنه يضيف الحمد إلى الله تعالى

وهذا من تمام التوحيد فإذا علمه ورسخ فيه صار له مشهدا ،وإذا صار لقلبه مشهدا أثمر له من المحبة والأنس بالله والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وطاعته

        ( شأن العمل المقبول )

وفيه من الفوائد :

-       أن يحول بين القلب وبين العجب بالعمل ورؤيته فإنه إذا شهد أن الله هو المان به ، الموفق له ،الهادي إليه شغله شهود ذلك عن رؤيته والإعجاب به ،وأن يصول به على الناس فيرفع من قلبه فلا يعجب به ،ومن لسانه فلا يمن به ،ولا يتكثر به ،وهذا شأن العمل المرفوع .

ومن فوائده أن يضيف الحمد إلى وليه ومستحقه ،فلا يشهد لنفسه حمدا ،بل يشهده كله لله ،كما يشهد النعمة كلها منه ،والفضل كله له ،والخير كله في يديه .

وهذا من تمام التوحيد فلا يستقر قدمه في مقام التوحيد إلا بعلم ذلك وشهوده ،فإذا علمه ورسخ فيه صار له مشهدا ،وإذا صار لقلبه مشهدا أثمر له من المحبة والأنس بالله والشوق إلى لقائه ،والتنعم بذكره وطاعته ما لا نسبة وبينه وبين أعلى نعيم الدنيا البتة .

وما للمرء خير في حياته إذا كان قلبه عن هذا مصدودا ،وطريق الوصول إليه عنه مسدودا ،بل هو كما قال تعالى (( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ))   

 

6-     مشهد التقصير : وإذا شهد العبد من نفسه أنه لم يوف ربه في عبوديته حقه ،ولا قريبا من حقه علم تقصيره ولم يسعه مع ذلك غير الاستغفار والاعتذار من تقصيره وتفريطه وعدم القيام بما ينبغي له من حقه .

وأنه إلى أن يغفر له العبودية ويعفو عنه فيها أحوج منه إلى أن يطلب منه عليها ثوابا ،وهو لو وفاها حقها كما ينبغي لكانت مستحقة عليه بمقتضى العبودية .

فإن عمل العبد وخدمته لسيده مستحق عليه بحكم كونه عبده ومملوكه هذا في حق عبد الدنيا

فكيف وأنت عبد لله من كل وجه ، فعملك وخدمتك مستحق عليك بحكم كونك عبدا لله تعالى فإذا أثابك على عملك كان ذلك مجرد فضل ومنة وإحسان من الله إليك لا تستحقه عليه .

ومن هنا يفهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (( لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله )) قالوا ولا أنت يا رسول الله ؟

قال (( ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته )) متفق عليه

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

الرسالة الرابعة :

ويكفي العاقل البصير الحي القلب فكره في فرع واحد من فروع الأمر والنهي وهو  (الصلاة )

وما اشتملت عليه من الحكم الباهرة ،والمصالح الظاهرة والباطنة ،والمنافع المتصلة بالقلب والروح والبدن والقوى التي لو اجتمع حكماء العالم قاطبة واستفرغوا قواهم وأذهانهم لما أحاطوا بتفاصيل حكمها وأسرارها ،بل انقطعوا كلهم دون أسرار الفاتحة ،وما فيها من المعارف الإلهية ،والحكم الربانية ،والعلوم النافعة ،والتوحيد التام ،والثناء على الله بأصول أسمائه وصفاته ،وذكر أقسام الخلق باعتبار غاياتهم ووسائلهم ،وما في مقدماتها وشروطها من الحكم العجيبة :

من تطهير الأعضاء ، والثياب ، والمكان ،وأخذ الزينة ،واستقبال القبلة ،وتفريغ القلب لله تعالى ،وإخلاص النية ،وافتتاحها بكلمة جامعة لمعاني العبودية ،دالة على أصول الثناء وفرعه ،مخرجة من القلب الالتفات إلى ما سواه ،فيقف بقلبه بين يدي عظيم ،أعظم من كل شيء تلاشت في كبريائه السموات وما أظلت ، والأرض وما أقلت ، والعوالم كلها ،عنه له الوجوه ،وذلت له الجبابرة ،قاهر فوق عباده لا تخفى عليه خافية من أمرهم (( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف باليل وسارب بالنهار ))

ثم أخذ في تسبيحه وحمده ،وذكر ربوبيته للعالم وإحسانه إليهم ورحمته بهم ،وتمجيده بالملك الأعظم في اليوم الذي لا يكون فيه ملك سواه ،حتى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ويدينهم بأعمالهم .

ثم إفراده بنوعي التوحيد : توحيد ربوبيته استعانة به ،وتوحيد ألوهيته عبودية له ،ثم سؤاله أفضل مسئول وأجل مطلوب على الاطلاق وهو هداية الصراط المستقيم الذي نصبه لأنبيائه ورسله وأتباعهم ،وجعله صراطا موصلا لمن سلكه إليه وإلى جنته ،وأنه صراط من اختصهم بنعمته بأن عرفهم الحق ،وجعلهم متبعين له ،دون صراط أمة الغضب الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه ،وأهل الضلال الذين ضلوا عن معرفته واتباعه .

فتضمنت تعريف الرب ،والطريق الموصل إليه ،والغاية بعد الوصول .

وتضمنت الثناء والدعاء ،وأشرف الغايات وهي العبودية ،وأقرب الوسائل إليها وهي الاستعانة مقدما فيها الغاية على الوسيلة ،والمعبود المستعان على الفعل إيذانا بالاختصاص ،وأن ذلك لا يصلح إلا له سبحانه .

وتضمنت ذكر الإلهية والربوبية والرحمة :

فيثنى عليه ويعبد بإلهيته .

ويخلق ويرزق ويميت ويحيي ،ويدبر الملك بربوبيته وحكمته .

وينعم ويرحم ويجود ويعفو ويغفر ويهدي ويتوب برحمته .

فلله كم في هذه السورة من أنواع المعارف والعلوم والتوحيد وحقائق الإيمان !

ثم يأخذ بعد ذلك في تلاوة ربيع القلوب ،وشفاء الصدور ،ونور البصائر ،وحياة الأرواح وهو كلام رب العالمين فيحل به فيما شاء من روضات مونقات ،فهو يجتني من تلك الثمار خيرا يؤمر به ،وشرا ينهى عنه ،وحكمة وموعظة وتبصرة وتذكرة وعبرة ،وتقريرا لحق ،ودحضا لباطل ،وإزالة لشبهة ،وجوابا عن مسألة ،وإيضاحا لمشكل ،وترغيبا في أسباب فلاح وسعادة ،وتحذيرا من أسباب خسران وشقاوة ،ودعوة إلى هدى ،وردا عن ردى فينزل على القلوب نزول الغيث على الأرض التي لا حياة لها بدونه  ويحل منها محل الأرواح من أبدانها .

فأي نعيم وقرة عين ولذة قلب وابتهاج وسرور لا يحصل له في هذه المناجاة والرب تعالى يستمع لكلامه جاريا على لسان عبده ويقول :

حمدني عبدي أثنى علي عبدي مجدني عبدي        

     والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

لخصه العبد الفقير إلى عفو ربه وستره ومغفرته

محمد فاضل بن الطاهر

غفر الله له ولوالديه ولأشياخه ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات  

 

 

 

       

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهمية دراسة السيرة النبوية

  بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه وأجمعين      أهمية دراسة السيرة النبوية : جاء الإسلام رحمة للعالمين ،ل...