بسم الله
الرحمن الرحيم
وصلى
الله على نبيه الكريم
(القومية
العربية)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ،من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ،وأشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح
الأمة وكشف الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
وبعد :
فإنا نحمد الله أن هدانا للإسلام فهو الذي بيده
الهداية قال تعالى (( إنك لا تهتدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء )) ذلك لأنه
هو الدين الخاتم ،الدين الذي أعطى الإنسان تصورا دقيقا عن أصله والغاية من خلقه
ومصيره ،وعرفه حكمة خلق السموات والأرض وأنها سخرت له ،وأعطاه تفسيرا لكل ذلك مما
تقف الحضارة المادية مشدوهة دون معرفة أسراره ،
وذلك
لأنها تاهت وضلت عن هذا الدين .
إن هذا
الدين المبارك اهتم بالإنسان قبل أن يولد ،وبعد ولادته ،وفي جميع أطوار حياته ،وسن
التشريعات الملائمة له في كل حالة من حالات حياته : في الصغر والبلوغ والكبر
وحياته كلها ،وبعد مماته ،وحتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ،وأعلمه بكل ذلك لكي يكون على
بينة من أمره و (( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل )) حتى إنه بين ما
يقوله الإنسان عند الخلاء كما قال سلمان لليهودي عندما قال له : إن نبيكم علمكم
كل شيء . قال له أجل : علمنا كل شيء حتى الخراءة .
ذلك هو
الإسلام ،الإسلام الذي وصفه الله تعالى بأنه ارتضاه لنا ، وأنه لا يقبل من العباد
سواه
((
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضت لكم الإسلام دينا ))
(( إن
الدين عند الله الإسلام )) (( ومن يبتغ
غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين )) ذلك هو الإسلام الذي سمانا الله به ،والذي أمرنا
رسولنا صلى الله عليه وسلم أن نتسمى به .
وذلك
فيما روى أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن خزيمة وغيرهم عن الحارث الأشعري عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( من دعا بدعوة الجاهلية فإنه من جثي جهنم ))
قال رجل يا رسول الله وإن صام وصلى قال (( نعم فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها
المسلمين والمؤمنين عباد الله ))
وقال
الشوكاني في قوله تعالى (( هو سماكم المسلمين من قبل )) أي في الكتب المتقدمة ..
(( وفي هذا )) أي في القرآن ،والضمير لله سبحانه ،وقيل راجع لإبراهيم .
ثم إن
الإسلام هو الذي وحد العرب بعد أن كانوا يقتل بعضهم بعضا ويسبي بعضهم بعضا ،وقد
عانوا من ذلك فترة طويلة .
لذلك
امتن الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه هو الذي ألف بين قلوب المؤمنين سواء
كان المعنى الآوس والخزرج أو العرب ككل ،وانه بفضل الله والإيمان به حصلت الوحدة
بينهم والألفة والتراحم والتعاطف والتكافل ،وأنه لو انفق ما في الأرض جميعا على أن
يؤلف بينهم لما استطاع ذلك .
وهذا
نستفيد منه حقيقة مهمة وهي أن الذين يريدون أن يجمعوا العرب على غير الإسلام
نتيجتهم الحتمية هي الفشل ،كما هو الواقع كذلك وهو أكبر دليل .
ومن
المعلوم أن عروبتهم لم تنفعهم قبل الإسلام ولم توحدهم ،وإنما توحدوا بسبب الإسلام
وانصهارهم تحت لوائه ،واعتزازهم به وحده ، ولذا قال عمر رضي الله عنه : نحن قوم
أعزنا الله بالإسلام ومهمى ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله .
وصدق عمر
رضي الله عنه فهو إن يكن في الأمة محدثون فهو منهم .
وقد صور
الخازن حالة العرب قبل الإسلام فقال :
( إنهم
كانت فيهم الحمية الشديدة والأنفة العظيمة والأنفس القوية والعصبية والانطواء على
الضغينة من أدنى شيء حتى لو أن رجلا من قبيلة لطم لطمة واحدة قاتل عنه أهل قبيلته
حتى يدركوا ثأرهم ،لا يكاد يتألف منهم قلبان ،فلما بعث رسول الله صلى الله عليه
وسلم فيهم وأمنوا به واتبعوه انقلبت تلك الحالة فائتلفت قلوبهم واستجمعت كلمتهم
وزالت حمية الجاهلية من قلوبهم ،وأبدلت تلك الضغائن والتحاسد بالمودة والمحبة لله
، واتفقوا على الطاعة ...وكانت بينهم في الجاهلية حروب عظيمة ثم زالت تلك الحروب
وحصلت الألفة والمحبة وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل ،وصار ذلك معجزة
لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرة باهرة دالة على صدقه ،وفي قوله تعالى (( وألف
بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ))
، دليل على أن القلوب بيد الله يصرفها كيف يشاء وأراد وذلك لأن الألفة والمحبة
إنما حصلت بسبب الإيمان واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم . ([1])
وقيل إن المراد هو الأوس والخزرج من الآية ، والأولى كما قال الشوكاني هو العموم ولأن
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وهذه الألفة لن تتحقق اليوم إلا بما تحققت به
أمس ، والناس هم الناس والقلوب هي القلوب.
إن هذه الشريعة غنية عن أن نستورد لها نظريات من
الشرق أو الغرب ،فليست بحاجة إلى قطع غيار ،كما أن طبيعتها لا تعرف التلفيق من هنا
وهناك ،فلم تهتم بالجسم فقط كاليهودية أو الروح فقط كالنصرانية أو بالفرد فقط
كالرأسمالية أو بالجماعة فقط كالشيوعية ، بل اهتمت بالجميع وأعطت لكل ذي حق حقه
بلا إفراط ولا تفريط ،فهي كما وصفها الشاطبي رحمه الله تعالى ( بأن الناظر فيها عليه
أن ينظر إليها بعين الكمال ،لا بعين النقصان ،ويعتبرها اعتبارا كليا في العبادات
والعادات ،ولا يخرج عنها البتة ،لأن الخروج عنها تيه وضلال ورمي في عماية ،كيف وقد
ثبت كمالها وتمامها ،فالزائد والمنقص في جهتها هو المبتدع بإطلاق ،والمنحرف عن
الجادة إلى بنيات الطرق .) ([2])
وقال أيضا ( وما مثلها إلا مثل الإنسان الصحيح
السوي ،فكما أن الإنسان لا يكون إنسانا حتى يستنطق ،فلا ينطق باليد وحدها ولا
بالرجل وحدها ولا بالرأس وحده ولا باللسان وحده ،بل بجملته التي سمي بها إنسانا
،كذلك الشريعة ... فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا كأعضاء
الإنسان إذا صورت صورة مثمرة .) ([3])
ذلك ما
ينبغي للمسلم أن يعتقده في الشريعة ،وأنها وحدها القادرة والصالحة لحل مشاكل الناس
في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ،وأنها جاءت لتقود البشرية
وتحررها من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد ،وأن تخرجها من ضيق الدنيا
إلى سعتها ،ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام كما قال ربعي بن عامر لرستم ، لهذا
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقبل من أصحابه أن يأخذوا غير الإسلام الذي
أتى به.
أولا :تعريف القومية:
أما تعريف القومية من حيث اللغة فهي مصدر صناعي ونسبتها
إلى قوم ، ولفظ قوم ورد في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة مطلقا ومقيدا إما بالإضافة
إلى مؤمن أو كافر ،أو بصفة إيمان أو كفر أو ما دخل في أحدهما ،وإذا ذكر مع لفظ قوم
لفظ نساء على سبيل المقابلة صار لفظ قوم يعني الرجال فقط كقوله تعالى (( لا يسخر
قوم من قوم )) ثم قال تعالى (( ولا نساء من نساء )) ، أما إذا ذكر لفظ قوم وحده
فيدخل في معناه النساء ، قال الله عز وجل (( إنها كانت من قوم كافرين )) ولأن قوم
كل نبي رجال ونساء ، وسمي القوم قوما لأنهم في الأصل يقومون بمهام الأمور
ويقيمونها بما تقوم به وتصلح عليه بمشيئة الله تعالى كما قال سبحانه (( لمن شاء
منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ))
وقد عرفت في الاصطلاح: أنها مبدأ سياسي اجتماعي
يفضل معه صاحبه كل ما يتعلق بأمته على سواه عما يتعلق بغيرها. ([4])
، وليعلم أن فكرة القومية قديمة قدم البشر الاجتماعي ،ولكنها تسمى قديما ( العصبية
)
فالعصبية التي كانت تجمع أفراد القبيلة الواحدة
وهي في الواقع هي في الواقع ما تسمى اليوم القومية ، ثم إنه ليس هناك تعريف ثابت
بالنسبة للقومية العربية بين جمهرة الفرق التي نادت بها ،وذلك ليس غريبا طالما أن القومية
لم تكن سوى عدوى انتقلت إلينا من بلاد غريبة عنا ،ومن ثم فما دامت القوميات
الاوربية متباينة تحتم تباين التفسير القومي عندنا أيضا.
لقد كان اضطراب
التفسير القومي لدى فلاسفة أوربا السبب في الاختلاف الذي وقع بين دعاة
القومية في بلادنا ،فمثلا القومية الألمانية تقوم على أساس العرق الآري الممتاز
وأن ألمانيا فوق الجميع. ([5])
ثانيا: تاريخ ظهورها:
أن من بدايات ظهورها أنه اجتمعت جمعية ضد الحكم
التركي ،واتخذت لها من العروبة أساسا وهدفا..
كانت جمعية سرية يتزعمها مجموعة من الشباب
المسيحي في بيروت تهدف إلى التفرقة بين العرب والأتراك.([6])
، وأنشأ المبشرون الأمريكيون الكلية السورية الانجيلية سنة ( 1866 ) م ، والتي سميت فيما بعد بالجامعة الامريكية ،وأصبح طلاب
هذه الجمعية يشكلون كما يقول صاحب كتاب : لعبة الأمم 90% من قادة حركة القومية العربية . ([7])
واستغل المبشرون الامريكيون اثنين من العرب المسيحيين
ليؤلفوا الكتب المدرسية على أن تكون مناهجها مصبوغة بالصبغة القومية من حيث
الاعتزاز بتاريخ العرب قبل الإسلام فقط ،وهذان العربيان هما : ناصف اليازجي وبطرس
البستاني ، ويلاحظ أن أعضاء الجمعيات القومية في البداية كان كلهم من المسيحيين
فترة من الزمن إلى أن نجح الرجلان السابقان في تمييع العقيدة لدى بعض المسلمين وبالتالي
انضمامهم إلى تلك الجمعيات التي تريد الاعتزاز بالتراث العربي بدون إسلام. ([8])
ويعلل أبو الحسن الندوي لظهورها فيقول: (لما
اضمحلت النصرانية في أوربا قويت العصبية القومية والوطنية ، وكان الدين والقومية
ككفتي ميزان كلما رجحت واحدة طاشت الأخرى .) ([9])
ويقول محمد مصطفى رمضان : إن القومية التي عناها
مفكروا أوربا لم تكن إلا رفع شعار وطني صرف ليتمكنوا به من توحيد مجموعة معينة من
الولايات أو المقاطعات في ظل حكومة مركزية. ([10])
ومن أسباب ظهورها في البلاد العربية كذلك أنه
عندما احتل نابليون الأول مصر عام ( 1798 ) م
هب المسلمون تحت شعار الله أكبر والعزة للمسلمين
فعند ذلك فكر نابليون في الأمر وطلب من علماء الدين معه وجلهم من المستشرقين أن
يبحثوا عن خطة عملية تفصل بين المسلمين المصريين والخلافة العثمانية وعندما نقبوا
في الامر ودرسوه طلعوا على الشعب المصري بالفكرة القومية ،وكانت دعواهم أنه لا
رابط بين المصريين والأتراك إلا الدين ،والدين خاص بالطقوس ولا تعنيه الأمور
السياسية ،وأن الاتراك استعمارهم للمصريين هو سبب جهلهم بينما الاستعمار الفرنسي
جاء ليخلصكم من التأخر والجهل ومن الاستعمار التركي. ([11])
يقول فيلب حتى ( كان من نتيجة الاحتكاك بين
العقلية السورية والنتاج الفكري الغربي أن تولدت مبادئ القومية العربية الشاملة
واستمدت وحيها بالأكثر من النظريات السياسية الامريكية ،والتي استمدت إلهامها من
مبادئ الثورة الفرنسية .
ولقد كان ظهور مبادئ القومية العربية في العقد
السابع من القرن الفائت على يد رجال الفكر السوريين وغالبيتهم من اللبنانيين
المسيحيين الذين تثقفوا في المدارس الأمريكية في بلادهم .) ([12])
وهذا
الرجل أستاذ آداب اللغات السامية ورئيس دائرة العلوم الشرقية بجامعة برنستون
بالولايات المتحدة .ويقول أيضا : ( ومما لا ريب فيه أن القومية إنما هي بضاعة
غربية استوردها العالم بما فيه الشرق العربي من أوربا ). ([13])
ويقول الدكتور حازم نسيبة ( بدأت فكرة القومية
العربية في أوساط المثقفين المسيحيين قبل أن تبدأ عند المسلمين ... إذ كان
المسيحيون على صلة وثيقة بالثقافة الغربية ،وأقرب إلى التأثر بتياراتها ،وسبق لهم
أن اطلعوا على التاريخ العربي من خلال الدراسات الغربية الحديثة ،وقد انصب
المستشرقون في القرن التاسع عشر بكل قواهم على بحث النواحي الدنيوية أكثر مما
اهتموا بالنواحي اللاهوتية من التاريخ العربي الذي أظهر أن الأمة العربية أقامت
حضارة متقدمة راقية قبل الإسلام وبعده على السواء ،وبهذا لم تكن الحضارة العربية
إذن حادثا دينيا صرفا لا يملك العرب النصارى أن يشاركوا بعد فيه ،بل العكس هو
الصحيح وهو أن لتلك الحضارة ملامح منقطعة الصلة بالدين كما أثبت الواقع الذي انصب
الباحثون الغربيون على كشفه ) ([14])
، ويقول أيضا معلقا على نتائج ثورة الشريف حسين على الخلافة العثمانية: (يمكن
تحديد التيارات التي أحدثتها تلك الثورة على النحو التالي : أنها زودت العرب وتلك
نتائجه الواضحة بتاريخ حي ذي دوافع قومية لا دينية مما عنى تحطيم الأساس الذي كانت
تقوم عليه سياسة العرب منذ نحو من ألف عام وهو العالمية الدينية ، ويقول: والإسلام كعقيدة صريح في عدائه
للادعاآت المفرقة بين الناس والتي هي آفة القومية) ([15])
تلك هي الاطراف التي قامت بنشر القومية العربية
والتي ظهر من خلال اعترافاتها بما لا يدع مجالا للشك أن القومية العربية دخيلة على
الإسلام وأهله غريبة عنهما ،فقد نشأت وترعرعت في بلاد غير بلادهم وبآت غير بآتهم ،وروج
لها أعداء لهم من فجر الدعوة الإسلامية ومرورا بالحروب الصليبية ،ولا أراني متجنيا
على الحقيقة إذا قلت إنها ردة فعل لهزائمهم المتكررة أمام جهاد المسلمين باسم
إسلامهم فأرادوا إسكات هذا الصوت ،وهذه القوة التي لا طاقة لهم بها ليجعلوا مكانها
رابطة أخرى لا يرفع الجهاد مرة أخرى إذا استحكمت ورسخت في النفوس فأتوا بالقومية
العربية داهية الدواهي.
بعد أن أعلنت بريطانيا أنها سترحل عن القدس ،عند
ذاك أحس المسلمون في شتى أرجاء المعمورة بما تخططه لهم فتحركوا بم يستدعيه الموقف
،وعندما أحست بريطانيا بالأمر وأقلقها أوعزت إلى القاهرة لتبني الدعوة إلى الجامعة
العربية فلبى مصطفى النحاس رغبتهم ووجه نداء عام 1942م لإجراء محادثات الهدف منها : تشكيل جامعة عربية
تؤيد الأماني الوطنية ،وتخدم مصالح العرب في الحاضر والمستقبل.
وفي نفس السنة أيد وزير الخارجية البريطانية
الفكرة وهو (انتسوني إيدن) ، فقال : ويظهر أنه أمر طبيعي وعادل أن تقوى الروابط
الثقافية ولاقتصادية حتى والسياسية بين البلاد العربية ،وحكومة صاحب الجلالة تؤيد
إلى أقصى حد كل مشروع ينال موافقة الجميع ، وفي سنة (1943 ) م وقعت مشاورات بين الدول
العربية آنذاك انتهت بتوقيع الإسكندرية في أكتوبر ( 1944 ) م ثم عدل البروتوكول بعد ذلك وتم التوقيع على
الميثاق في 22 مارس (1945 ) م بحضور مندوبين عن ست دول. ([16])
ولا بد لنا من تعليق عابر على هذا الحدث فمتى كان
النصارى حريصين على مصلحة المسلمين ووحدتهم التي هي القوة الحقيقية التي أرشد الله
تعالى إليها بقوله (( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم )) وليس ذلك هو مقصود
النصارى قطعا بدليل قوله تعالى (( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم
))
وقوله تعالى (( ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من
أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ))
فالخلاصة أن هذه خديعة جديدة على غرار الخدعة
القومية التي بدأ الترويج لها المبشرون من نصارى سوريا ولبنان ،والقصد منها مزيد
تشتيت للعالم الإسلامي ،ومزيد من النعرات والعصبيات ،وهذا هو ما نتج عن القومية
العربية بالنسبة للمسلمين ،فقد دفع هذا الشعار قوميات من غير العرب إلى أن تنادي
بقومياتها كالبربر في شمال إفريقيا ،والزنوج في جنوب السودان ،والاكراد في شمال العراق ،وكذلك
الهند وفارس وتركيا كل بلد انتقلت إليه تلك العدوى . ([17])
ثالثا: أسس القومية العربية: تتكون
أسس القومية العربية مما يلي:
1-
اللغة
: فهم يرون أن اللغة العربية قادرة على تجميع العرب تحت راية القومية العربية ،وهم
في الحقيقة مستوردون لهذا الأساس من (فيخته ) الفيلسوف الألماني الذي يرى أن الناس
يتكونون باللغة ، وأن اللغة الجرمانية بما أنها أصفى اللغات جعلت الألمان أرقى
الشعوب .
ويرد عليهم أن
اللغة لو كانت قادرة على توحيد الشعوب لتوحد العرب قبل الإسلام ولصارت للأمريكيين
والانجليز قومية واحدة بما أن كلهم يتكلم الانجليزية .
ومثال آخر أن
اسويسرا تتكلم ثلاث لغات من دون تبني واحدة منها ولم يمنع ذلك من جعلها دولة من
أرقى العالم ماديا ، وأيضا : فإننا في عصر
أصبح كل شعب يتكلم عدة لغات بدون أن يتبناها جميعا .
والحاصل أن اللغة لم تعد صالحة لأن تكون رابطا
أساسيا بين الشعوب. ([18])
2-
التاريخ
: ويقسمونه إلى قسمين :
أ-
قسم سبق
ظهور الإسلام وهو الجاهلية عندنا – نحن المسلمين –
ب-
قسم يبدأ مع الإسلام فيرون أن هذا التاريخ عنصر
من عناصر القومية
ونقول لهم : إما أن تعتمدوا تاريخ الجاهلية أو
الإسلام .
فإن اعتمدوا الأول فإنه تصح دعوى القومية العربية
التي لا تمت إلى الواقع بصلة لأن هذا التاريخ المنصرم لا علاقة له بحياتنا
المعاصرة ،وليست له خصائص تجعلنا ننتسب إليه أو نحافظ عليه لأنه تاريخ جاهلية لديها
الكثير من القيم والمعتقدات التي قضى عليها الإسلام .
وإن اعتمدوا الثاني فإنه يصبح من الضروري عليهم
أن يكون الإسلام كرسالة أوجدت هذا التاريخ هو العنصر الأول والأخير الذي يجب أن
يعتمدوا عليه ويتركوا ما سواه مما قضى هو عليه. ([19])
3- الأرض: ويعتبرون كذلك أن الأرض أحد أسس القومية
العربية ، والواقع أن أرض العرب على نوعين:
أ -
نوع عربي من فجر التاريخ وهو شبه الجزيرة العربية وصحراء سوريا
ب
– نوع مستعرب وهو الأراضي التي فتحها المسلمون وهي مصر وشمال إفريقيا ،أما مصر
فكان سكانها من عهد موسى هم الفراعنة ،وأما شمال إفريقيا فهي معروفة بأنها موطن
البربر وهم سكانها الأصليون ،فإن كان القوميون يعتبرون الأولى فقد أخرجوا من
دعوتهم مصر والمغرب العربي ، وإن كانوا يعتبرون النوع الثاني مع الأول فإن هذا
النوع لم يكن عربيا قبل الإسلام وهي لم تعرف إلا الإسلام وأصبح تاريخها تاريخه فهي
أرض إسلامية فتحت باسمه ،وملكت باسمه.
ثم إنه لو كانت الأرض تكفي لقيام الأمم لصار
للعرب قبل الإسلام كيان واحد ودولة واحدة وهذا ما لم تستطع الأرض أن تحققه لهم ولا
تاريخهم ولا لغتهم. ([20])
4-المصلحة المشتركة: فيقولون إن
العرب تجمعهم وحدة المصالح والآمال والألم وأن هذا أحد أسس القومية العربية ، وهذا
قول كسابقيه لا يصلح أساسا للوحدة القومية ذلك لأن الأحلاف والتكتلات اليوم تقوم بين
دول لا تجمعها وحدة قومية وإنما جمعتها مصالح مشتركة بينها ،والواقع دليل على ذلك
،فنجد الآن أن أمريكا وتركيا يربطهما الحلف الأطلسي مع اختلافهما في القومية
واللغة والأرض والتاريخ ، ثم إنما تجمعه المصلحة اليوم قد تفرقه غدا وهذا أمر
ملموس وواقع لا يحتاج إلى تدليل ،وبذلك تفقد المصلحة المشتركة قيمتها كمرتكز أساسي
للقومية العربية. ([21])
رابعا : محتواها الفكري حسب أقوال
أصحابها :
جاء في المنشور الموجه إلى الدول الكبرى والصادر
عن الاجتماع القومي المنعقد بباريس عام (1905 ) م
والذي دعت إليه الجمعية الوطنية العربية :
( إن
العرب الذين تحكم فيهم الأتراك بتفريقهم على مسائل ثانوية تتصل بالعقائد والشعائر
أصبحوا داعين لوحدتهم القومية التاريخية والعنصرية ،ويرغبون في الانفصال عن الشجرة
العثمانية النخرة ،وإقامة دولة مستقلة لأنفسهم تستمد جذورها الطبيعية من وادي دجلة
والفرات إلى قناة السويس ،ومن البحر المتوسط إلى بحر عمان ،وستحكمها حكومة دستورية
حرة على رأسها سلطان عربي). ([22])
ويقول علي ناصر الدين (القضية العربية لن تكون
أبدا عند العربي المؤمن الحر العاقل الشريف الصالح الخير الأبي إلا قضية إيمان
بالوطن للوطن قضية الإيمان بالله ليس غير) ، ويقول أيضا ( إن أهداف هذه القومية أن
تحارب الجهل والفقر والمرض والظلم وكل عصبية إلا العصبية القومية ، وتفصل الدين عن
السياسة ،وتحرم على رجال الدين الاشتغال بها... ، ويستطرد قائلا : العروبة نفسها
دين عندنا نحن القوميين المؤمنين العريقين من مسلمين ومسيحيين لأنها وجدت قبل
الإسلام وقبل المسيحية في هذه الحياة.) ، وقال محمد تيمور ( لئن كان لكل عصر نبوته
المقدسة فإن القومية العربية لهي نبوة هذا العصر في مجتمعنا العربي ،ورسالة هذه
النبوة هي تجميع القوة وتكتل الجبهة والانطلاق بالطاقة البشرية في كيان المجتمع العربي
نحو كسب الحياة ،وإن كتاب العرب في أعناقهم أمانة هي أن يكونوا حواريين لتلك
النبوة الصادقة يزكونها بأقلامهم ،وينفخون فيها من أرواحهم ،ويعملون أن تكتمل لها
أسباب النماء والازدهار.
ويقول
عمر الفاخورن ( لا ينهض العرب إلا إذا أصبحت العربية أو المبدأ العربي ديانة لهم
يغارون عليها كما يغار المسلمون على قرآن النبي الكريم ،والمسيحيون الكاثوليك على
إنجيل المسيح الرحيم ،والبروتستانت على تعاليم ( لوثر ) الإصلاحية ... ويتعصبون
لها تعصب الصليبيين لدعوة (بطرس الناسك ) ([23])
ويقول
الحصري الذي خدم القومية العربية نصف قرن: (أنا لا أخالف من يدعو إلى الاشتراكية
متى أتى ،لا أعارض من يقول بالشيوعية) ([24])،
ويقول أيضا : ( إن الكفاح القومي والجهاد في سبيل النهضة القومية يحتاج إلى إيمان
راسخ في النفوس ... يتطلب بذل المجهود ببث الإيمان القومي في النفوس ،ولتقوية هذا
الإيمان وتغذيته بكل الوسائل الممكنة) ([25])
ويقول:
ويجب على العربي أن يقول العربية فوق الجميع ، وهذا نفس شعار ألمانيا : ألمانيا فوق الجميع.
لذلك
يقول ( ولذلك كله أقول بلا تردد : إن أول الواجبات التي تتحتم علينا لتقوية
الإيمان القومي هو كتابة تاريخنا على نمط جديد بعقلية غربية ونزعة قومية)
ويقول
مستشهدا بكلمة قالها زعيم عربي : نحن عرب قبل عيسى وموسى ومحمد – صلى الله عليه
وسلم )
ثم
يؤكد المساواة بين الجميع بقوله ( العربية قد تأسست على قاعدة المساواة فهي تنظر
إلى جميع الناطقين بالضاد على اختلاف مذاهبهم وأديانهم نظرا واحدا .
وينقل
في كتبه بيتا لنصراني مشيدا به وهو :
سلام
على كفر يوحد بيننا - وأهلا وسهلا بعده
بجهنم ([26])
وجاء
في مجلة العربي ( 1959 م ) (والوحدة العربية يجب أن تنزل من قلوب العرب أينما
كانوا منزل وحدة الله من قلوب قوم مؤمنين)
ويقول
أحمد زكي صاحبها : ( وأما سلوك أهل الأديان جميعا لنصرة أديانهم عبر القرون فقد
كان وبالا على الانسانية ذهب بسلام الحياة ذاتها) ([27])
ويقول
الدواليبي : ( وبناء عليه – أي أن العرب كانوا قبل الإسلام – لا يمكن أن نعتبر
الدين بصورة مطلقة عنصرا أساسيا من عناصر القومية العربية ) ([28])
ويقول
الشهابي : ( والقومية العربية لا ترتكز على الدين وإن يكن معظم هؤلاء السكان
مسلمين ،ففي القومية العربية : العربي من تكلم العربية وأراد أن يكون عربيا مهما
يكن دينه ،ومهما تكن السلالة البشرية التي ينتمي إليها ) ([29])
ويقول:
( ولقد كانت الأديان في التاريخ أي قبل نشوء القوميات حديثا أهم صلة روحية بين
أبناء البشر ،ولكننا نرى أيامنا هذه : أن رابطة القومية قد تفوقت على رابطة الدين
لدى كثير من الأقوام التي تدين بدين واحد) ([30])
وأول
من نقل الاشتراكية إلى العرب وكتبها بالعربية هو المسيحي السوري الذي اسمه : شبلي
الشميل .
يقول
عنه : البرت حوراني : ( فهو أول من نشر بالعربية فكرة الاشتراكية ،وإن لم يكن أول
من سماها بهذا الاسم ) ([31])
وفي
خطاب لزعيم عربي للقومية العربية تزعمها من (1954م) إلى موته ، يقول
في تلك المقابلة الصحفية عندما سأله الصحفي عما إذا كان مستعدا للانضمام
إلى حلف إسلامي يتألف من العرب وغيرهم أجاب الرئيس: ( اني رجل شديد التدين ...
ولذلك لا بد وقد لا حظت أن الدستور الجديد للجمهورية العربية المتحدة لا يشير إلى
دين الدولة ،وسبب هذا أننا نؤمن بأننا عرب أولا كما نؤمن بمحمد والمسيح وقد ظهرا
في أرضنا هذه ونبعا منها ،وكما أن العربي المسيحي لا يستطيع أن ينضم إلى تحالف
مسيحي غربي ،فالمسلم العربي أيضا لا يستطيع الانضمام إلى حلف إسلامي ،ومع أني
كمسلم لا أرى مانعا من التعاون مع الجميع في مسائل الدين إلا أني لا أرى من الحكمة
إقحام الدين في السياسة..
إن
الاضرار التي يسببها التعصب الديني شيء معروف لكل إنسان ،وقد شهدنا آثاره في جماعة
الإخوان المسلمين الذين كانوا يعملون لإعادة الملكية ،وربط مصر بجبهة معينة ...وقد
تم القضاء على هذه الجماعة بمعاونة الله والشعب ،كما أننا جربنا ثمار امبراطورية
إسلامية أيام الإمبراطورية العثمانية ،وما أظن أحدا من العرب يفكر في إعادة هذه
الإمبراطورية..
وإذا
كان لا بد في هذا الوقت من خلق جبهة إسلامية فإن هذه الجبهة سوف تضم تركيا
والباكستان .. وقد أصابتنا نتائج مريرة من جراء دعوتهم هذه...
ولنذكر
فقط موقف نهرو ،والمستر نون ،والمستر سهرهودا من القضايا العربية ،وموقف الآخرين
منها ،وعندئذ يظهر لك الفرق جليا ،وبينما الهند تسير على سياسة مستقلة نرى
الباكستان مرتبطة بالغرب ،ومن الصعب تأليف حلف إسلامي)
وعندما
سأله الصحفي الهندي عما إذا رفع النفوذ الأجنبي عن الحلف ؟ ، أجابه: (ولو رفع هذا
لا أعتقد أن محاولة كهذه لإنشاء حلف دولي على أساس ديني تكون خطوة في الطريق
الصحيح ...
والواقع
أن قيام الدول على أساس ديني ،أو قيام القوميات على أساس ديني شيء مخالف للتاريخ
،وقد أصابت الهند نجاحا محسوسا من اتباعها سيادة بعيدة عن التعصب ،واعتمادها سياسة
مسالمة عادلة في سياستها الداخلية ...
وهو ما
فعلته الجمهورية العربية المتحدة حين أعلنت في دستورها : أن كل رعاياها سواء في
الحقوق والواجبات أمام القانون دونما نظر إلى العنصر والدين واللغة بحيث يستطيع أي
فرد من أبنائها أن يصل إلى أعلى المراكز وأضخمها لا يرده دينه ولا يمنعه عن هذا
أصله ... ولا يقف في سبيله أي عامل آخر) ([32])
والآن
لتذهب معا إلى كتابه الميثاق علنا نتعرف على بعض ما في هذا الكتاب عن قوميته
العربية ، يقول فيه (إن عهودا طويلة من العذاب والألم بلورت في نهاية المطاف أهداف
النضال العربي ظاهرة واضحة صادقة في تعبيرها عن الضمير الوطني للأمة العربية وهي :
الحرية والاشتراكية والوحدة ....وأصبحت الاشتراكية وسيلة وغاية) ([33])
ويقول
مفتخرا بقاسم أمين الداعي إلى تحرير المرأة: (وارتفع صوت قاسم أمين ينادي بتحرير
المرأة ) ([34])
ووصف
الخلافة العثمانية بالظلام والاستعمار فقال: (قبل أن ينزل ظلام الغزو العثماني على
المنطقة باسرها ... كما وجدت أن الشعب المصري يرفض الاستعمار العثماني المقنع باسم
الخلافة) ([35])
ويقول
عن الاشتراكية واصفا إياها أنها الحل الوحيد والحتمي للمشاكل: (إن الاشتراكية
العلمية هي الصيغة الملائمة لإيجاد المنهج الصحيح للتقدم ،إن أي منهج آخر لا
يستطيع بالقطع أن يحقق التقدم المنشود ...
إن
الحرية الاجتماعية طريقها الاشتراكية ...إنما كان الحل الاشتراكي حتمية تاريخية
فرضها الواقع ،وفرضتها الآمال العريضة للجماهير ،كما فرضتها الطبيعة المتغيرة
للعالم في النصف الثاني من القرن العشرين ) ([36])
ويقول
عن تحديد الملكية : ( إن قوانين الإصلاح الزراعي قد انتهت بوضع حد أعلى لملكية
الفرد لا يتجاوز مائة فدان على أن روح القانون تفرض أن ذيكون هذا الحد شاملا
للأسرة كلها ، كما ذكر فيه منع الاستيراد للأفراد) ([37])
ثم
يقول متبرما من كثرة السكان: (إن مشكلة التزايد في عدد السكان هي أخطر العقبات
التي تواجه جهود الشعب المصري في انطلاقه نحو رفع مستوى الإنتاج في بلاده بطريقة
فعالة وقادرة ،وإذا كانت محاولة تنظيم الاسرة بغرض مواجهة مشكلة تزايد السكان
تستحق أصدق الجهود المعززة بالعلوم الحديثة) ([38])
ثم
يقول عن المساواة بين الجنسين: (إن المرأة لا بد أن تساوى بالرجل ،ولا بد أن تسقط
بقايا الأغلال التي تعوق حركتها الحرة حتى تستطيع أن تشارك بعمق ... إن حرية
العقيدة الدينية يجب أن تكون لها قداستها في حياتنا الجديدة الحرة) ([39])
ويقول
عن الفرد والتشريع ( إن رأس المال الفردي في دوره الجديد يجب أن يعرف أنه خاضع
لتوجيه السلطة الشعبية شأنه في ذلك شأن رأس المال العام ،وأن هذه السلطة هي التي
تشرع له ،وهي التي توجهه على ضوء احتياجات الشعب ،وأنها قادرة على مصادرة نشاطه
إذا ما حاول أن يستغل أو ينحرف) ([40])
ويقول
عن القانون ( كذلك فإن سيادة القانون نتطلب منها الآن تطويرا واعيا لمواده ونصوصه
بحيث تعبر عن القيم الجديدة في مجتمعنا) ([41])
ويقول
عن اللغة والتاريخ : ( يكفي أن الأمة العربية تملك وحدة اللغة التي تصنع وحدة
الفكر والعقل ،وتملك وحدة الضمير والوجدان ،ووحدة الأمل التي تصنع وحدة المستقبل
والمصير) ([42])
ولا
أريد أن أطيل بنقل كل ما فيه إلا أني سأعطي صورة مختصرة عن الميثاق فأقول وبالله
التوفيق:
إنه في
مستهل كتابه لم يبدأ بحمد الله ولا ذكر اسمه ولا اسم رسوله صلى الله عليه وسلم فهو
إذن أجذم وأبتر كما في الحديث (( كل أمر ذي بال لا يبدأ به بحمد الله فهو أجذم ))
بل بدأ
بقوله : ( إن عليكم أن تحيلوا الأفكار الواردة في الميثاق إلى حقائق حية ،عليكم أن
تصنعوا من الحروف جنودا مدربين ،ومن الكلمات فرقا مستعدة ،ومن العبارات جيوشا
متأهبة ،عليكم أن تواجهوا المستقبل بما يجب به ...
ثم إنه
خلال علاجه لكل القضايا لم يستدل ولم يدعم أيا منها بآية ولا بحديث ،ولا بقول عالم
من علماء المسلمين ،مع أنه يطالب بأن نجعل من الميثاق ما وصفه آنفا ،كما أنه لم
يدع فيه إلى تطبيق شرع الله تعالى ،ولا إقامة دعوة في سبيله ،ولا أشار إشارة واحدة
إلى كل ذلك ،وهذا مما يتنافى مع ما طلبه الله تعالى من الحاكم وجعله من مهامه ((
الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن
المنكر ولله عاقبة الأمور ))
هذا
فضلا عن أن ما ورد فيه يعتبر قانونا وتشريعا من عند نفسه مع أن الشريعة قد كملت
قال تعالى (( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ))
والتشريع
من خصائص الله تعالى لذلك ذم الله المشركين فقال (( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ))
وقال
(( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما
أنزل الله إليك ))
فضلا
عما فيه من أفكار ونظريات تخالف الإسلام – كما لاحظتم ذلك في الفقرات التي نقلت من
الميثاق – وهو يعتمدها ويدعو إليها كأهداف
وغايات لا بد من تحقيقها .
ولعلكم
أدركتم معي بعض أهداف النصارى التي حقوقها من خلال القومية العربية التي تزعموا
رفع لوائها لكي يصبحوا – كما نادى به كل زعائمها – متساوين في الحقوق والامتيازات
مع المسلمين ،وهذا يمنعه الإسلام ، قال
تعالى (( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ))
البعثية
والآن
إليكم لمحة أخرى موجزة جدا عن البعثية حسب وصف ميشل عفلق لها والذي يعتبر المؤسس
لها يقول: ( إنها تستبعد كل انتماء إلى وحدات إقليمية أو دينية ، وتعتبر جميع
البلدان العربية أجزاء متساوية من الأمة العربية ،وأنه يؤمن بالاشتراكية ،وأنها
ضرورة منبعثة من صميم القومية العربية ،وان يوضع بملء الحرية تشريع موحد للدولة
العربية ينسجم مع روح العصر الحاضر وعلى ضوء تجارب الأمة العربية في ماضيها) ([43])
ويمكن
أن نجمل الآن المحتوى الفكري للقومية العربية في النقاط التالية :
1-
أن
العروبة نفسها دين
2- وجوب الإيمان بها كالإيمان بالله تعالى
3- فصل الدين عن السياسة
4- اعتبار الدين سببا للتأخر والجمود كما اعتبرته
أوربا قبلهم
5- الدعوة إلى مساواة الرجل بالمرأة وتحطيم الاغلال
التي تعيق حريتها
6- عدم الإيمان بالوحدة الإسلامية القائمة على أساس
الدين واعتبارها شيئا مخالفا للتاريخ
7- الدعوة إلى مساواة العرب كلهم مسلمهم ومسيحيهم
ووثنيهم في الحقوق والواجبات حتى في رئاسة الدولة
8- التمسك بالجاهلية والاعتزاز بها باعتبارها من
تاريخ العرب
9- اعتبارهم أن القومية العربية قادرة على تحقيق
الوحدة أكثر من الدين
10-
حظرهم
مزاولة السياسة على رجال الدين
11-
اعتبارهم
الاشتراكية حتمية تاريخية
12-
اعتبارهم
العروبة فوق الجميع
13-
تحديدهم
الملكية الخاصة حسبما يشاءون
14-
تشريعهم
قوانين جديدة لأنفسهم
15-
اعتبارهم
أن أهداف النضال العربي هي الحرية والاشتراكية والوحدة
16-
الدعوة
إلى حرية العقيدة .
وليست هذه النقاط هي كلما قالوه
ولكنها أمثلة لما ينادون به كأساس للوحدة العربية .
الرد عليهم: ولست أرى أنه من الضروري الرد على كل نقطة مما ينادون به مما
هو مخالف للإسلام لأن ذلك واضح لكل من عنده أدنى معرفة بمبادئ الإسلام ، وسأكتفي
برد إجمالي على التكتل باسم القومية عموما .
خامسا : بيان مخالفتها للإسلام
وقبل الدخول في صلب الموضوع أحب أن
أذكر نبذة عن نظرة الإسلام إلى الانسان وأساس تفضيله ومهمته ، إن الإسلام نظر إلى
الانسان على أنه مخلوق مكرم خلقه الله بيديه وأسجد له ملائكته وفضله على كثير ممن
خلق تفضيلا ، قال تعالى (( ولقد كرمنا بني
آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا
تفضيلا )) ، وقال تعالى (( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعو له ساجدين )) ، وجعل
مهمته هي عبادة الله ،وتحقيق شريعته بالخلافة الراشدة ، قال تعالى (( وما خلقت
الجن والانس إلا ليعبدون )) ، وقال (( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم
بين الناس بالحق )) ، وجعل أساس تفضيل الناس هو التقوى ليس إلا لا للجنس ولا اللون
ولا الجاه ولا المال ولا الوطن ولا أي قيمة بشرية أخرى ، قال الله تعالى (( إن
أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير )) ، وقال تعالى (( وما أموالكم ولا
أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما
عملوا وهم في الغرفات آمنون )) ، وقال تعالى (( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على
رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك ))
وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم
في قوله وفعله وتقريره تلك الحقائق الآنفة بيانا شافيا فقال (( لا فضل لعربي على
عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى الناس
من آدم وآدم من تراب )) ، ولنضرب صورة حية لبعض موازين الإسلام الفعلية فهذا أبو
لهب عم الرسول صلى الله عليه وسلم تنزل فيه سورة تتلى - إلى أن يرفع القرآن – في
ذمه وتوبيخه والحكم عليه بالنار وهي قوله تعالى (( تبت يدا أبي لهب وتب )) وهو في غاية الشرف كيف لا وهو في الذؤابة من
قريش ولم ينفعه كل ذلك ، ولم يعتبره الإسلام بينما نرى القرآن يشيد بصهيب الرومي ،قال
الله تعالى((ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد))
وهذا كما قال الشاعر :
لقد رفع الإسلام سلمان فارس - ووضع الكفر الشريف أبا لهب
ويقول محمد مصطفى عطا: (الإسلام دعوة
لا تعرف العنصرية ،ولا تفرق بين جنس وجنس وتلمس هذه الروح في خطاب رب العزة فهو
يقول دائما (( يأيها الذين آمنوا )) ويقول (( يأيها الناس ))
ولم يوجه النداء في سورة من سور
القرآن إلى العرب فلم يقل : يا أيها العرب ،وهي التفاتة سامية للقضاء على التعصب
وعلى الشعوبية والعنصرية التي هي مثار النزاع والشقاق بين الأمم) ([44])
ويقول أيضا ( أما الجنس فقد أغفلته
الدعوة الإسلامية لأنها أحلت مكانه العقيدة الإسلامية التي لا ينازعها منازع من
مقومات الوحدة ،فالدعوة المحمدية هي النظام العالمي الانساني الذي يدعو إلى وحدة
البشرية والتفافها على رأي واحد ونهج واحد.) ([45])
ويقول سيد رحمه الله : ( لقد أطلق الإسلام
البشر من اللصوق بالطين ليتطلعوا إلى السماء ،وأطلقهم من قيد الدم قيد البهيمة
ليرتقوا في عليين ،وطن المسلم الذي يحن إليه ويدفع عنه ليس قطعة أرض ،وجنسية
المسلم التي يعرف بها ليست جنسية حكم .... وانتصار المسلم الذي يهفو إليه ،ويشكر
الله عليه ليس غلبة جيش ،إنما هو كما قال تعالى (( إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت
الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا)) ([46])
( ثم إن هناك وشيجة واحدة تربط الناس
في الله فإذا انبتت فلا صلة ولا قرابة ، قال تعالى (( لا تجد قوما يؤمنون بالله
واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم
أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ))
ويقول أيضا ( إن هذا التصور الرفيع
للدار والجنسية والقرابة هو الذي ينبغي أن يسيطر على قلوب أصحاب الدعوة إلى الله
،والذي ينبغي أن يكون من الوضوح بحيث لا تختلط به أوشاب التصورات الجاهلية الدخيلة
،ولا تتسرب إليه صور الشرك الخفية ،الشرك بالأرض ،والشرك بالجنس ،والشرك بالقوم
،والشرك بالنسب ،والشرك بالمنافع الصغيرة الفردية ،تلك التي جعلها الله سبحانه في
آية واحدة فيضعها في كفة ،ويضع الايمان ومقتضياته في كفة أخرى ويدع للناس الخيار
(( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها
وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله وسوله وجهاد في سبيله
فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين )) ([47])
وبعد هذه التوطئة للموضوع أقول: إنه
من خلال أقوال القوم الآنفة نستطيع أن نبين أن القومية العربية التي تحدثوا عنها
لا تمت إلى الإسلام بصلة ،بل ولا يريد ذلك دعاتها كما صرحوا به جهارا من أنها لا
تقوم على أساسه ،بل قامت لتكون رابطة دونه تعتمد على اللغة والتاريخ والأرض وغيرها
،وهم في أقوالهم الماضية يخالفون الإسلام صراحة ،فإن المسلم العربي يجب عليه دينيا
أن يعتقد كفر العربي النصراني أو اليهودي أو الوثني وأن يعاديه وأن يتقرب إلى الله
بدمه إن كان حربيا ،قال تعالى (( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة )) ، وقال
(( لقد كفر الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ))
وأوجب الله تعالى علينا قتالهم حتى
يعطوا الجزية في ذلة وهوان ، قال تعالى (( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا
باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا
الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون )) ، وقال تعالى عن المشركين (( واقتلوا
المشركين حيث وجدتموهم ))
والوثنيون
على قول الجمهور لا تقبل منهم الجزية إما الإسلام وإما القتل ، وعلى أي تقدير فلا
بد من أخذ الجزية منهم ، فكيف بعد ذلك يتساوى العربي المسلم مع العربي غير المسلم.
ثم إنه
من الثابت تاريخيا أن كثيرا من المعارك التي خاضها الرسول صلى الله عليه وسلم كانت
بين العرب أنفسهم فهذه غزوة بدر التي نزل فيها قول الله تعالى (( لا تجد قوما
يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ...)) فإنها نزلت في أبي
عبيدة حين قتل أباه. ([48])
فأين
الرابطة النسبية إذا فقد الإيمان ؟ ، ونزل في أهل بدر قوله تعالى (( هذان خصمان
اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر
به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد...)) ([49])
مع
العلم أن الجميع عربي ،فهل نفعت العرب الكفار اللغة أو التاريخ ومنعتهم من هذا
الخصام مع المسلمين العرب ، يقول سيد رحمه الله تعالى : (ربما قيل لو دعا رسول
الله صلى الله عليه وسلم هذه الدعوة – أي القومية – لاستجابت له العرب قاطبة بدلا
أن يعاني ثلاثة عشر عاما في اتجاه معارض لأهواء أصحاب السلطان في الجزيرة ،وأنه
كان خليقا بعد أن تستجيب له العرب هذه الاستجابة ،وبعد أن يولوه فيهم القيادة
...أن يستخدم هذا كله في إقرار عقيدة التوحيد التي بعث بها في تعبيد الناس لسلطان
ربهم بعد أن عبدهم لسلطانه البشري ،ولكن الحكمة من أنه لم يفعل ذلك لأن الله
سبحانه يعرف أن هذا ليس هو الطريق ،فليس الطريق أن تخلص الأرض من يد طاغوت روماني أو
طاغوت فارسي إلى يد طاغوت عربي ،فالطاغوت كله طاغوت إن الأرض لله ويجب أن تخلص لله
....ولأن الجنسية التي يريدها الإسلام للناس هي جنسية العقيدة التي يتساوى فيها
العربي والروماني والفارسي وسائر الألوان والاجناس تحت راية الله .) ([50])
ومن
الجدير بالذكر أنه من ضمن ما حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم والذي هو ((
بالمؤمنين رءوف رحيم )) أنه حذر من العصبية أو الافتخار بما كانت تفتخر به الجاهلية
فقال (( إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي وفاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب ليدعن
رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان
التي تدفع بأنفها النتن )) ([51])
وقال
صلى الله عليه وسلم (( ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس
منا من مات على عصبية )) ([52])
وقال
صلى الله عليه وسلم (( ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثي جهنم )) قالوا يا رسول
الله وإن صام وإن صلى قال (( وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم فادعوا المسلمين بأسمائهم
بما سماهم الله عز وجل المسلمين المؤمنين عباد الله عز وجل )) ([53])
وقال
صلى الله عليه وسلم (( من قاتل تحت راية عمية يدعو لعصبية أو ينصر عصبية فقتلته
جاهلية )) ([54])
وقال
صلى الله عليه وسلم (( إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا
يفخر أحد على أحد )) ([55])،
والبغي : هو التعدي والاستطالة.
وقال
صلى الله عليه وسلم (( إن آل فلان ليسوا لي بأولياء – يعني طائفة من أقربائه –
إنما وليي الله وصالح المؤمنين )) ([56])
قال
النووي رحمه الله تعالى : معنى الحديث إن وليي من كان صالحا وإن بعد نسبه مني
،وليس وليي من كان غير صالح وإن قرب نسبه مني.
وقال
القرطبي رحمه الله تعالى : فائدة الحديث انقطاع الولاية في الدين بين المسلم
والكافر ولو كان قريبا حميما ، وقال ابن بطال: أوجب في هذا الحديث الولاية بالدين
ونفاها عن أهل رحمه إن لم يكونوا من أهل دينه. ([57]).
وذكر
البخاري أنه صلى الله عليه وسلم لما سمع رجلا يقول : يا للمهاجرين وآخر يقول يا
للأنصار قال (( دعوها فإنها خبيثة )) ، وساق قوله أيضا (( ليس ما من ضرب الخدود
وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية )) ، وفي الصحيحين عنه قال (( المرء مع من أحب )) ،
وروى الطبراني بسند جيد عنه صلى الله عليه وسلم (( لا يحب رجل قوما إلا حشر معهم
)) ، وروى أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم (( أفضل الأعمال الحب في الله والبغض
في الله )).
إن الأخوة في الإسلام تسمو فوق اعتبارات الجنس
أو اللغة أو ألأرض أو أي نوع آخر من هذه الروابط الأرضية ،إنها تسمو بالمسلم إلى
أن يكون ولاؤه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها
قال تعالى (( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون
الزكاة وهم راكعون ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون
)) ، وقال (( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على
الكافرين )) ، وقال (( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ))
تلك
النصوص غيض من فيض تؤكد على حقيقة واحدة وهي أن ولاء المؤمنين والمسلمين إنما هي
للمؤمنين والمسلمين فقط ،وأنه إذا اختلفت العقيدة فلا تاريخ ولا لغة ولا أرض تقدم
على العقيدة .
وقد
ذكر الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى مخالفة القومية للإسلام فيما ملخصه :
1-
أنها
تفرق بين المسلمين لأنها تفصل بين المسلم العجمي وأخيه العربي وهذا يخالف مقاصد
الإسلام التي منها الاجتماع والوئام
2- أنها من أمر الجاهلية لأنها دعوة إلى غير الإسلام
ومناصرة لغير الحق ،وقد نهى الإسلام عن ذلك وحذر منه ،وأتى ببعض النصوص التي قدمنا
بعضا منها ،ودعاة القومية يدعون إلى البغي والفخر بخلاف ما يدعو إليه الإسلام من
التواضع والتقوى ،والتحاب في الله ،وأن يكون كل المسلمين كالجسد الواحد (( المؤمن
للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ))
3-
أنها
تؤدي إلى موالاة كفار العرب وملاحدتهم من أبناء غير المسلمين ،واتخاذهم بطانة
والاستنصار بهم على أعداء القوميين من المسلمين ،ومعلوم ما في هذا من المخالفة
لنصوص القرآن والسنة والتي منها
(( يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن
يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ))
والقوميون يدعون إلى التكتل حول
القومية العربية فيوالون لأجل ذلك كل عربي من يهود ونصارى ومجوس ووثنيين وملاحدة
وغيرهم تحت لواء القومية ،ويقولون إن نظامها لا يفرق بين عربي وعربي فتوالي
الجميع والله تعالى يقول (( يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون
إليهم بالمودة ))
وكيف يكون أبو جهل وأبو لهب والنضر
بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إخوانا وأولياء للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين
مع ما وقع من الحرب والعداوة فيما بينهم .
4-
الدعوة
القومية تفضي بالمجتمع إلى رفض حكم القرآن لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا
بتحكيم القرآن فيوجب هذا لزعماء القومية أن يتخذوا أحكاما وضعية تخالف القرآن لكي
يتساوى القوميون في تلك الأحكام ،وقد صرح الكثير منهم بذلك – كما سلف – وهذا هو
الفساد العظيم والكفر المستبين والردة السافرة كما قال تعالى (( فلا وربك لا
يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا
تسليما ))
وقال
تعالى (( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ))
الاتجاهات
الفكرية المعاصرة من ص 134 – 135
ويقول
عبد الله علوان رحمه الله تعالى :
ومن
مظاهر الارتداد رفع الشعارات التي تصرف وجه الانسان من أن يكون الله معبوده ومقصوده
ومن ذلك : أن يرفع المسلم شعار القومية جاعلا إياه هدفا وغاية يدعو إليه ويعمل من
أجله ويقاتل في سبيله .
ومنها
: موالاة الكافرين والمنافقين والملحدين وابتغاء العزة عندهم ،وبغض أهل الإيمان
والدعوة إلى الله من المسلمين ،قال الله تعالى (( ومن يتولهم منكم فإنه منهم
)) ([58])
ويقول
أبو الحسن الندوي رحمه الله تعالى: (ولا يمكن لشعب أن يؤمن بالقومية ثم لا يعتدي
ولا يتطاول أو لا يريد أن يعتدي ويتطاول ولأمقت الآخرين ولازدراهم ، كما لا يمكن
أن يسرف الانسان في الخمر ولا يسكر ولا يهذي كما قال الشاعر:
ألقاه
في البحر مكتوفا وقال له - إياك إياك أن
تبتل بالماء . ([59])
وقد
أصدر المؤتمر العالمي للدعوة وإعداد الدعاة المنعقد في الجامعة الإسلامية بالمدينة
المنورة بتاريخ : 24 و 29 عام ( 1397 ) هـ وثيقة اعتبرت القومية من الدعوات
المضادة للإسلام كالباطنية والبهائية والقاديانية والتبشير والاستشراق والرأسمالية
الطاغية والاشتراكية والشيوعية والماسونية واليهودية العالمية والعلمانية
والاباحية والوجودية ) ([60])
ويقول
أبو الأعلى المودودي رحمه الله تعالى: (ولعمر الله إنهم كانوا خسروا نصف الحرب –
يقصد رؤساء العالم الإسلامي – يوم آمنوا بمبادئ اللادينية والقومية والدمقراطية
وسلموا بها تسليما فما نجحت بعد ذلك سياستهم القائمة) ([61])
ويقول
جميل عبد الله: (وقد جاءتا فكرة القومية والعالمية بمثابة تحديان أو خطران يراد
بهما هدم الرابطة الإسلامية ،فمبدأ القومية يستهدف العنصرية ،وهي تستهدف إيجاد
الصدع بين العرب والفرس والترك والهنود وهم جميعا مسلمون ،كما تهدف إلى إعلاء شأن
التاريخ الإقليمي ،والعالمية منها الشيوعية والماسونية) ([62])
ويقول عبد الله علوان ( إن أولئك الذين يدعون
إلى فكرة القومية العربية منسلخة عن العقيدة الإسلامية في بلاد الإسلام ما هم في
الحقيقة إلا منفذون من حيث يعلمون أو لا يعلمون لمخططات اليهودية والماسونية
والصليبية والاستعمار ... لتحل فكرة فكرة القومية محل العقيدة الإسلامية ،وليجعلوا
منها دينا مكان دين ،وعقيدة محل عقيدة.) ([63])
وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
(اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات
والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما
اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) رواه مسلم
وينبغي أن ندعو دائما بهذا الدعاء العظيم ليهدينا الله تعالى إلى
صراطه المستقيم
كتبه الفقير إلى عفو ربه
محمد فاضل بن الطاهر
غفر الله له ولوالديه ولأشياخه ولجميع المسلمين
اللهم استجب يا رب العالمين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق